رؤية استراتيجية لإعادة بناء الناقل الوطني
مصعب بشير
المقدمة:_
اتمني ان يجد هذا المقال طريقة الي السيد رئيس مجلس السيادة والسيد رئيس الوزراء وزير النقل ومدير عام الخطوط الجوية السودانية ، إن الحديث عن الخطوط الجوية السودانية (سودانير) لا يقتصر على كونه تناولًا لشركة طيران وطنية فحسب، بل هو حديث عن رمز من رموز السيادة والكرامة الوطنية، وعن ذاكرة جماعية ارتبطت بتحليق الطائرات في سماء السودان والعالم حاملة اسم الوطن بفخر. لقد أشعلت بوادر عودة سودانير في نفوس السودانيين روح الحب والانتماء، وأيقظت شوقًا عميقًا لرؤية هذا المارد الجوي يعود للتحليق من جديد في سماء السودان والقارات، بعد سنوات من الغياب والتراجع.
فكل الشعب السوداني، بمختلف فئاته، يحلم بعودة سودانير مرة أخرى ليس فقط كشركة تعمل، بل كمؤسسة وطنية قوية تمثل السودان بأفضل صورة، وتكون ناقلًا وطنيًا رائدًا في المنطقة، قادرًا على منافسة كبريات شركات الطيران الإقليمية مثل الخطوط الإثيوبية والخطوط القطرية، ومؤهلًا ليعود بشعاره الجذاب وهويته العريقة ليحتل مكانته المستحقة بين كبار الناقلين في إفريقيا والشرق الأوسط.
ومن هذا المنطلق، فإن إعادة بناء سودانير لم تعد مجرد مشروع اقتصادي أو تشغيلي، بل باتت مشروعًا وطنيًا جامعًا يحمل في طياته آمال السودانيين في استعادة صورة وطنهم في السماء، وربط البلاد بالعالم عبر مؤسسة قوية، حديثة، وموثوقة. وتأتي هذه الدراسة لتقديم رؤية استراتيجية واقعية لإعادة تأسيس سودانير وفق أسس علمية حديثة، تجعلها قادرة على المنافسة إقليميًا ودوليًا خلال فترة زمنية معقولة، وذلك من خلال معالجة الجوانب المؤسسية والتشغيلية والمالية والتجارية بصورة متكاملة.
تمثل الخطوط الجوية السودانية (سودانير) إحدى أقدم شركات الطيران في القارة الإفريقية والعالم العربي، وكانت لعقود طويلة واجهة السودان الجوية ورمزًا لسيادته الوطنية ومكانته الإقليمية. غير أن هذه الشركة العريقة شهدت خلال العقود الأخيرة تراجعًا حادًا نتيجة تراكم الأزمات الإدارية والمالية، إلى جانب الاضطرابات السياسية والعقوبات الاقتصادية وضعف البنية التحتية، ما أدى إلى شبه انهيار دورها في النقل الجوي الداخلي والدولي. وتبرز اليوم ضرورة إعادة بناء سودانير ليس فقط باعتبارها شركة طيران، بل باعتبارها مشروعًا وطنيًا استراتيجيًا يعكس صورة السودان في الخارج ويدعم اقتصاده ويعزز ارتباطه بالعالم.
تهدف هذه الدراسة إلى تقديم رؤية استراتيجية واقعية لإعادة تأسيس سودانير وفق أسس حديثة تجعلها قادرة على المنافسة إقليميًا خلال فترة زمنية معقولة، وذلك من خلال معالجة الجوانب المؤسسية والتشغيلية والمالية والتجارية بصورة متكاملة.
الإطار المؤسسي والإداري لإعادة البناء
تبدأ أي نهضة حقيقية لشركة طيران وطنية من إصلاح الإطار المؤسسي والإداري الذي يحكم عملها. فقد أثبتت التجارب العالمية أن الشركات الجوية لا تنهار بسبب نقص الطائرات أو ضعف السوق بقدر ما تنهار بسبب سوء الإدارة والتدخلات غير المهنية.
ومن هنا فإن إعادة بناء سودانير تقتضي أولًا إعادة هيكلتها قانونيًا لتعمل كشركة مساهمة عامة تمتلك الدولة الحصة الأكبر فيها، مع فتح المجال لاحقًا لمشاركة القطاع الخاص والمغتربين، بما يضمن فصل الملكية عن الإدارة ويمنح الشركة مرونة تشغيلية واستقلالية مالية.
كما يتطلب الأمر تكوين مجلس إدارة مستقل يضم خبرات متخصصة في الطيران والاقتصاد والقانون والإدارة، بعيدًا عن المحاصصة السياسية، على أن تُربط قراراته بمؤشرات أداء واضحة تخضع للمساءلة الدورية. أما الإدارة التنفيذية فيجب أن يقودها مدير عام يتمتع بخبرة دولية في شركات طيران ناجحة، مع اعتماد نظم تخطيط استراتيجي حديثة وربط الأداء بالحوافز والعقوبات لضمان الجدية والانضباط المؤسسي.
السلامة والامتثال كمدخل لاستعادة الثقة الدولية:_
لا يمكن لسودانير أن تستعيد مكانتها أو تنافس إقليميًا دون أن تجعل السلامة الجوية والانضباط التشغيلي محورًا أساسيًا في عملية الإصلاح. فسمعة شركة الطيران في السوق العالمي تُبنى أولًا على سجلها في السلامة والالتزام بالمعايير الدولية.
لذلك فإن من الضروري أن تلتزم سودانير التزامًا كاملًا بمعايير منظمة الطيران المدني الدولي (ICAO) والاتحاد الدولي للنقل الجوي (IATA)، وأن تعمل على اجتياز تدقيقات السلامة الدولية مثل IOSA، بما يعيد الثقة فيها لدى شركات التأمين والمطارات العالمية وشركات التأجير.
ويتطلب ذلك إنشاء نظام متكامل لإدارة السلامة والجودة يشمل تحديث كتيبات التشغيل والصيانة والتدريب، وإعادة تأهيل الطيارين والمهندسين وفق برامج معتمدة دوليًا، إلى جانب استقطاب الكفاءات السودانية في الخارج التي تمتلك خبرات تراكمية في شركات طيران عالمية. ومن دون هذا الأساس الفني الصلب، فإن أي توسع في الأسطول أو الشبكة سيبقى توسعًا هشًا قابلًا للانهيار عند أول أزمة.
استراتيجية الأسطول بين الواقعية والطموح:_
إن من أكبر الأخطاء التي وقعت فيها سودانير سابقًا السعي لامتلاك طائرات بشكل مباشر دون امتلاك القدرة المالية والتشغيلية على إدارتها. لذلك تقوم الرؤية الحديثة لإعادة البناء على اعتماد سياسة الاستئجار طويل المدى للطائرات بدل الشراء في المرحلة الأولى، لما يوفره ذلك من مرونة مالية ويقلل من المخاطر الرأسمالية.
ويمكن في المرحلة الانتقالية استخدام الاستئجار الرطب لتشغيل سريع للخطوط الأساسية ريثما تكتمل جاهزية الشركة التشغيلية.
ويُعد توحيد طرازات الطائرات أحد أهم عوامل خفض التكلفة التشغيلية، إذ يقلل من نفقات التدريب والصيانة وقطع الغيار. ومن ثم فإن اختيار طراز واحد أو طرازين فقط في البداية للخطوط الإقليمية والداخلية يمثل خيارًا اقتصاديًا رشيدًا.
ومع تحسن الأداء المالي والتشغيلي يمكن التوسع التدريجي في عدد الطائرات وربما إدخال طائرات مخصصة للشحن أو للخطوط البعيدة في مراحل لاحقة.
شبكة الخطوط والنمو التجاري المدروس:_
إن فتح الخطوط الجوية يجب أن يتم بناءً على دراسات جدوى اقتصادية دقيقة لا على اعتبارات سياسية أو عاطفية. ومن هنا فإن المرحلة الأولى من إعادة بناء سودانير ينبغي أن تركز على الخطوط الإقليمية ذات الطلب العالي مثل دول الخليج ومصر وشرق إفريقيا، لما تتمتع به من كثافة حركة الركاب والبضائع وارتفاع فرص الربحية.
كما تمثل الشبكة الداخلية عنصرًا حيويًا في دعم الاقتصاد الوطني وربط الأقاليم وتسهيل حركة الأفراد والبضائع داخل البلاد، وهو دور لا يقل أهمية عن الخطوط الدولية.
أما الخطوط البعيدة إلى أوروبا أو آسيا فيجب تأجيلها إلى ما بعد تحقيق استقرار مالي وتشغيلي واضح، وتوافر شراكات تسويقية قوية تضمن معدلات إشغال مرتفعة، لأن الدخول المبكر في هذا النوع من الخطوط قد يستنزف الموارد دون تحقيق عائد مناسب.
تنويع مصادر الدخل وتحقيق الاستدامة المالية:_
لم تعد شركات الطيران الحديثة تعتمد على بيع التذاكر فقط كمصدر للدخل، بل تسعى إلى تنويع إيراداتها عبر الشحن الجوي والخدمات الأرضية والصيانة والتدريب والشراكات التجارية.
وفي حالة سودانير، يمثل الشحن الجوي فرصة استراتيجية كبرى، خاصة في نقل الصادرات الزراعية والحيوانية والذهب، إضافة إلى عقود النقل الإنساني والتجاري، وهي مصادر يمكن أن توفر عملات صعبة وتدعم الميزانية التشغيلية.
كما أن إعادة تأهيل ورش الصيانة وتقديم خدمات لشركات أخرى في المنطقة يمكن أن يتحول إلى نشاط مربح مستقل، إلى جانب إنشاء مركز تدريب إقليمي يستفيد من الموقع الجغرافي للسودان وخبراته البشرية. ويظل تحقيق الاستدامة المالية مرهونًا بوجود إدارة مالية صارمة تعتمد الشفافية والمراجعة الدورية وتمنع الهدر والفساد بكل أشكاله.
تجربة المسافر وبناء الهوية الجديدة لسودانير:_
لا تكتمل نهضة سودانير دون إعادة بناء صورتها الذهنية لدى المواطن والمسافر الأجنبي. فالتجربة التي يعيشها المسافر منذ الحجز وحتى الوصول هي التي تحدد ولاءه للشركة.
ولذلك فإن تحديث أنظمة الحجز الإلكترونية، وتحسين خدمة العملاء، واحترام حقوق المسافرين، وإطلاق برامج ولاء فعالة تمثل عناصر أساسية في استعادة الثقة الشعبية والتجارية.
كما أن إعادة تصميم الهوية البصرية والعلامة التجارية لسودانير يجب أن تعكس صورة حديثة للسودان، تقوم على الاحتراف والانفتاح والجودة، وتدعمها حملة إعلامية مدروسة على المستويين الإقليمي والدولي.
الشراكات والتحالفات كرافعة للنمو:_
في عالم الطيران المعاصر، لم يعد من الممكن لشركة طيران أن تنجح بمعزل عن الآخرين. ومن هنا فإن بناء شراكات استراتيجية مع شركات إفريقية وعربية ودولية عبر اتفاقيات تشارك الرمز والانضمام إلى تحالفات الطيران يمثل وسيلة فعالة لتوسيع الشبكة وتقليل التكلفة وزيادة العائد دون استثمارات ضخمة في الطائرات والبنية التحتية. كما تسهم هذه الشراكات في نقل الخبرات وتعزيز مكانة سودانير في السوق العالمي.
خاتمة:_
إن إعادة بناء سودانير ليست مجرد مشروع اقتصادي، بل هي مشروع سيادي يعكس صورة السودان في الخارج ويسهم في دعم اقتصاده وتعزيز وحدته الداخلية وربطه بالعالم. وتؤكد هذه الدراسة أن نهضة الناقل الوطني ممكنة وقابلة للتحقيق متى ما توفرت الإرادة السياسية الصادقة، والإدارة المستقلة المحترفة، والرؤية الاستراتيجية المبنية على العلم والتخطيط لا على العاطفة والشعارات.
وإذا ما تم تبني هذه الرؤية وتنفيذها بشكل مرحلي ومدروس، فإن سودانير قادرة خلال أقل من عقد أن تتحول من شركة متعثرة إلى ناقل وطني منافس إقليميًا ورافد حقيقي للاقتصاد السوداني.
المستشار
مصعب بشير
لندن
