صلاحيات سلطة الطيران المدني… بين النص القانوني والوجود على الأرض

صلاحيات سلطة الطيران المدني… بين النص القانوني والوجود على الأرض

كتب:إبراهيم عدلان
تمهيد

ليست أزمة الطيران المدني في السودان أزمة لوائح أو تشريعات، فالإطار القانوني – نظريًا – قائم وواضح ومتماسك، وإنما هي أزمة احترام اختصاص، وتغوّل سلطوي، وتفريغ مؤسسي متعمد.

فحين يصرّح وزير انتقالي في شؤون فنية لا يملكها قانونًا، ويختار سياسات تشغيلية لا تدخل ضمن ولايته، وحين تُقام مراكز للدرون ورشًا وفعاليات وتدعو كل الجهات السيادية والتنفيذية باستثناء سلطة الطيران المدني، وحين يحدّد مسؤول تنفيذي مواعيد فتح المطارات وكأنها قرار إداري عابر، وحين ينسج بعض الصحفيين روايات مضللة عن الطيران المدني دون رد رسمي حاسم… يصبح السؤال مشروعًا وملحًا:

هل ما زالت لسلطة الطيران المدني صلاحيات فعلية على الأرض، أم تحولت إلى كيان شكلي بلا نفاذ؟

أولًا: صلاحيات سلطة الطيران المدني في النص القانوني

وفق اتفاقية شيكاغو لعام 1944، وملاحق منظمة الطيران المدني الدولي (ICAO)، والقوانين الوطنية المستمدة منها، تُعد سلطة الطيران المدني:
1. الجهة السيادية المختصة حصريًا بـ:
• تنظيم الطيران المدني.
• الإشراف والرقابة (Oversight).
• إصدار التراخيص والشهادات.
• ضمان السلامة الجوية (Safety).
• الإشراف على أمن الطيران (Aviation Security) ضمن الإطار الوطني.
2. المرجع الفني الأعلى في:
• تشغيل المطارات وإدارة المجال الجوي.
• خدمات الملاحة الجوية.
• الطائرات المأهولة وغير المأهولة (الدرون).
• تقييم الجاهزية الفنية للمطارات وقرار افتتاحها أو إغلاقها.
3. الممثل الفني الوحيد للدولة أمام:
• منظمة الإيكاو.
• برامج تدقيق السلامة (USOAP).
• برامج تدقيق أمن الطيران (USAP).
• آليات الاعتراف والاعتماد الدولي.

وهذه الصلاحيات ليست امتيازات إدارية، بل التزامات دولية ملزمة، وأي انتقاص منها يضع الدولة مباشرة في دائرة المخاطر والعزلة الجوية.

ثانيًا: الواقع العملي – نزع الصلاحيات بالممارسة

على الأرض، لا تُنتزع الصلاحيات بقرارات رسمية، بل تُسحب تدريجيًا بالممارسة والتجاوز:
• وزير انتقالي:
• يطلق تصريحات فنية.
• يحدد توجهات تشغيلية.
• يتدخل في استراتيجية قطاع تخصصي.
• بينما يقتصر دوره قانونًا على رسم السياسة العامة، لا إدارتها الفنية.
• مراكز ونشاطات درون:
• تقيم ورشًا وفعاليات.
• تستدعي جهات سيادية وأمنية.
• تمارس نشاطًا جويًا عالي الحساسية.
• دون إخطار أو إشراف الجهة المختصة قانونًا.
• مسؤولون تنفيذيون:
• يعلنون مواعيد فتح المطارات.
• دون تقارير سلامة معتمدة.
• دون شهادات جاهزية.
• ودون اعتبار لسلسلة الاعتماد الدولية.
• إعلام غير مهني:
• يروّج معلومات مضللة.
• يحمّل الطيران المدني إخفاقات لم يكن طرفًا فيها.
• ويعمل في فراغ سببه غياب الصوت المؤسسي الرسمي.

ثالثًا: جوهر الأزمة – سلطة بلا أدوات نفاذ

الإشكال الحقيقي لا يكمن في غياب القوانين، بل في:
• غياب الحماية السياسية لاستقلال سلطة الطيران المدني.
• ضعف الإرادة الإدارية في الدفاع عن الاختصاص.
• الخلط المتعمد بين القرار السياسي والتنظيم الفني.
• تحويل السلطة إلى كيان شكلي يُستدعى للمساءلة الدولية ويُستبعد محليًا.

فتصبح السلطة:
• حاضرة في النص.
• غائبة في الممارسة.
• مسؤولة أمام الإيكاو.
• عاجزة أمام الداخل.

رابعًا: المخاطر الاستراتيجية

هذا المسار لا يهدد مؤسسة بعينها، بل:
• يهدد تصنيف الدولة الجوي.
• يفتح الباب لقيود أو حظر تشغيلي.
• يقوّض ثقة شركات الطيران والمستثمرين.
• يخلق فوضى تشغيلية وأمنية خطرة.

والأخطر من ذلك، أنه يرسّخ سابقة مفادها أن الطيران المدني يمكن إدارته بالتصريحات لا بالمعايير.

خامسًا: ما المطلوب تصحيحه فورًا؟
1. إعادة تثبيت الولاية القانونية لسلطة الطيران المدني بقرار سيادي صريح.
2. منع أي تدخل سياسي أو تنفيذي في الشأن الفني.
3. إخضاع الدرون وجميع الأنشطة الجوية لرقابة السلطة دون استثناء.
4. تمكين السلطة من خطاب إعلامي رسمي فاعل.
5. الفصل الصارم بين السياسة والتنظيم الفني وفق توصيات الإيكاو.

سلطة الطيران المدني لا تُقاس بعدد لوائحها، بل بقدرتها على إنفاذها.
وأي دولة تسمح بتآكل صلاحياتها الجوية، إنما تعلن – دون أن تشعر – فشلها المؤسسي في أحد أخطر القطاعات السيادية.

فالطيران المدني لا يُدار بالأمنيات،
ولا يُفتح بالتصريحات،
ولا يُنظَّم بالورش غير الشرعية،
بل يُدار بسلطة مستقلة كاملة الصلاحيات… أو لا يُدار إطلاقًا.

Exit mobile version