هل يجب على المستأجر أن يدفع إيجار الفترة التي كان فيها نازحا ومتاعه في البيت المؤجر؟

هل يجب على المستأجر أن يدفع إيجار الفترة التي كان فيها نازحا ومتاعه في البيت المؤجر؟
الجواب :
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.
فهذه الحرب التي تدور رحاها في السودان منذ ثلاث سنوات – ونسأل الله تعالى أن يطفئ نارها وأن يعامل الغزاة الآثمين بعدله ويسلط عليهم سيف انتقامه – إنما هي جائحةٌ وقعت بغير اختيار من الناس، وقد تضرر منها الجميع، والواجب على الناس العمل بمبدأ وضع الجوائح؛ فإن الجائحة التي يذكرها فقهاؤنا رحمهم الله تعالى تصدُق على ما حصل في هذه الحرب؛ إذ الجائحة في اللغة هي مصيبة مُذهبة، أو مُتلفة للمال، أو النفس أو غيرهما، وقد عرَّفها خليل بن إسحاق بقوله: هي ما لا يُستطاع دفعه.

مدى انقضاء عقود ايجار المباني بسبب عدم الوفاء بالالتزامات التعاقدية خلال فترة الحرب
ومن أمثلة الجوائح ما يصيب الزروع والثمار: كالحر أو الريح أو الجراد أو النار أو العَفَنِ أو الجليد أو الطير أو الدود أو السموم أو الثلج أو انقطاع ماء العيون والسماء
وليست الجوائح قاصرة على ما كان سماوياً، بل فعل الآدميين يعتبر جائحة؛ وما جاء في النصوص من ذكر الجائحة السماوية إنما كان من باب الأعم الأغلب، وذكر الأعم لا ينفي غيره، وهذا قول أكثر المالكية. كما في المدونة 12/38، وكفاية الطالب 2/281، بل نص بعضهم – كابن رشد في بداية المجتهد – على أن الجيش جائحة، ويعني بذلك الهجوم الذي يشنه جماعة من حملة السلاح ولا يمكن التحرُّز منهم، وهو ما يصدق على فعل تلك القوات الظالمة الباغية التي اجتاحت الخرطوم وغيرها من المدن فأظهرت فيها الفساد. بل إن بعض المالكية – كالمواق في “التاج والإكليل” – نصَّ على أن السرقة جائحةٌ معتبرة؛ هذا، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بوضع الجوائح؛ كما في صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه. وقد قال بذلك كثير من الصحابة والتابعين؛ فقد قضى عمر بن عبد العزيز بوضع الجوائح.

وفي خصوص المسألة المعروضة فإن المالكية رحمهم الله تعالى اعتبروا الجوائح مؤثِّرة في عقد الإجارة، ووضعوا من الأجرة بمقدار الضرر اللاحق بالمستأجر. وقد نص على ذلك المواق في “التاج والإكليل” 4/ 508 حيث قال:
رجل اكترى رحىً سنة، فأصاب أهل ذلك البلد فتنة جَلَوْا بسببها عن المكان، وجلا معهم المكتري، أو أقام آمناً إلا أنه لا يأتيه طعام لجلاء الناس، فهو كبطلان الرحى من نقصان الماء أو كثرته، ويوضع عنه قدر المدة التي جَلَوْا فيها، ويُستثنى من هذه الحالة إذا قام شخص باستئجار دار ثم جلا أهل ذلك المكان لفتنة وأقام المكتري آمناً أو رحل وهو آمن ففي هذه الحالة يلزمه الكراء كله أما إذا كان بسبب الخوف فيسقط عنه مدة الجلاء. انتهى.

وعليه فإنه ما ينبغي مطالبة المستأجر بأجرة المدة التي أخلى فيها الدار خوفاً على نفسه أو أهله أو ماله؛ بل إن ذلك يكون من باب أكل أموال الناس بالباطل، وقد نهى ربنا سبحانه وتعالى عن ذلك بقوله {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون}
يقول أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى في مجموع الفتاوى 30/266: وذلك أن المعاوضة – كالمبايعة والمؤاجرة – مبناها على المعادلة والمساواة من الجانبين لم يبذل أحدهما ما بذله إلا ليحصل له ما طلبه، فكل منهما آخذ معط طالب مطلوب.

فإذا تلف المقصود بالعقد المعقود عليه قبل التمكن من قبضه – مثل تلف العين المؤجَّرة قبل التمكن من قبضها وتلف ما بيع بكيل أو وزن قبل تمييزه بذلك وإقباضه ونحو ذلك – لم يجب على المؤجر أو المشتري أداء الأجرة أو الثمن. انتهى
وكلمة أخيرة: أنه ينبغي للناس أن يحمدوا الله على العافية وأن ردَّهم – بقدرته – إلى ديارهم سالمين، وردَّ أولئك البغاة على أعقابهم خاسرين، وما ينبغي لهم أن يحتقُّوا ويختلفوا، بل عليهم أن يتسامحوا ويخفف بعضهم عن بعض، ويسألوا الله تعالى العوض عن كل تالف، والخلف من كل هالك، والله الموفق والمستعان.




مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.