في سيرة مؤسسة..المعهد القومي للطيران المدني

في سيرة مؤسسة..المعهد القومي للطيران المدني
كنب:إبراهيم عدلان
كانت الفكرة الكتابة عن المعهد القومي للطيران المدني الشعلة التي أضاءت كثر من الطرقات و فتحت افاق للخوض في علوم الطيران النظرية و التطبيقية ولكني اكتشفت ان التوثيق يجب ان يكون للمؤسسة الام للطيران المدني ذات نفسه فكلاهما الطيران المدني و المعهد هما وجهان لعملة واحدة لم يكن احداهما دون الاخر .
من الفكرة إلى المؤسسة
(مدخل لسجل المعهد القومي للطيران المدني)
منذ أن ألهم الله الأخوين رايت بتصميم ما عُرف لاحقًا بالطائرة، ونجحت تجربتهما الأولى في التحليق، انفتح للبشر باب جديد من أبواب العلم والمعرفة لا نهاية له. باب لم يتوقف عند حدود الطيران ذاته، بل تمدّد سريعًا ليعيد تشكيل مفاهيم المسافة والزمن، وليبلغ لاحقًا اختراق حاجز الصوت، في واحدة من أعظم التحولات التقنية في تاريخ الإنسانية.
لقد شكّلت قوانين نيوتن للحركة، ومبادئ برنولي في الطفو، الإطار العلمي الذي انطلقت منه فكرة الطيران من تجربة محدودة إلى منظومة متكاملة، راقبها العالم بدهشة، ثم سرعان ما تبنّاها كأداة استراتيجية واقتصادية وإدارية. ومع هذا التحول، لم يعد الطيران حكرًا على الاستخدامات العسكرية أو التجريبية، بل بدأ يشق طريقه كوسيلة مدنية لتنظيم حركة البشر والبضائع، وربط الأطراف بالمراكز.
ومن هذه الخلفية العالمية، يبرز سؤال محوري في السياق السوداني:
كيف بدأت فكرة الطيران المدني في السودان؟
لم تكن نشأة الطيران في السودان ترفًا تقنيًا ولا حدثًا عابرًا، بل جاءت استجابة حتمية لواقع جغرافي معقّد، واتساع رقعة البلاد، وحاجة الإدارة الحديثة إلى وسائل اتصال سريعة وفعّالة. هذه المعطيات دفعت بعض المخططين والإداريين الأوائل إلى التفكير في الطيران بوصفه أداة مدنية مساندة للإدارة والتنمية، لا مجرد امتداد للنشاط العسكري.
في هذا السياق، برز دور الحاكم العام آنذاك، السير هيدلستون، الذي أدرك مبكرًا أهمية الطيران في إدارة السودان، فتم إنشاء ما عُرف لاحقًا بـ «كرسي الطيران»، بوصفه نواة فكرية وتنظيمية للاهتمام الرسمي بالطيران، وذلك عقب تولّيه حكم السودان. لم يكن هذا الكيان مؤسسة تشغيلية بالمعنى الكامل، بل إطارًا إشرافيًا يعبّر عن اعتراف الدولة المبكر بأهمية الطيران.
اكتفى كرسي الطيران في مراحله الأولى بالإشراف على عدد محدود من الرحلات المدنية العابرة، كما أشرف على إنشاء بعض المهابط البدائية في مواقع استراتيجية، بمعاونة سلاح الجو الملكي البريطاني، مستهدفًا مدّ جسور التواصل الجوي بين السودان وعاصمة الإمبراطورية التي «لا تغيب عنها الشمس». وقد مثّلت هذه الجهود أولى محاولات إدماج السودان في شبكة الملاحة الجوية العالمية الناشئة.
ومع تطور الحركة الجوية، نشأت فكرة التعاون بين شركة إيرويرك (Airwork) وسكك حديد السودان، باعتبارهما ركيزتين أساسيتين للنقل في البلاد. وفي هذا المنعطف، لعب كرسي الطيران دورًا محوريًا، لا كجهة إشرافية فحسب، بل كحلقة وصل تنسيقية بين الخبرة الفنية الأجنبية والبنية التحتية الوطنية، بما مهّد لظهور أولى أشكال النقل المتكامل بين الجو والبر.
ومع نهاية الحرب العالمية الثانية وانتصار دول الحلفاء، دخل العالم مرحلة جديدة في تنظيم الطيران المدني الدولي. ففي عام 1944 وُقِّعت اتفاقية شيكاغو، التي أرست القواعد القانونية والفنية للطيران المدني، وأسفرت لاحقًا عن إنشاء منظمة الطيران المدني الدولي (الإيكاو – ICAO) كإطار مؤسسي دائم لتنظيم الملاحة الجوية بين الدول.
هذا التحول العالمي فرض واقعًا جديدًا لم يعد فيه الاكتفاء بهياكل بدائية، مثل كرسي الطيران، متسقًا مع المتطلبات الدولية المستجدة. وعليه، أصبح لزامًا على حكومة السودان تطوير هذا الكيان وتحويله إلى جهاز مؤسسي أكثر شمولًا، قادر على تنظيم الطيران المدني، والإشراف على السلامة والملاحة الجوية، والتفاعل مع المعايير الدولية. ومن هنا تبلورت فكرة إنشاء مصلحة الطيران المدني، بوصفها التعبير المؤسسي عن دخول السودان عصر الطيران المدني المنظّم.
في هذا السياق التاريخي، تبرز أهمية المعهد القومي للطيران المدني بوصفه أحد أعمدة هذا البناء المؤسسي، وحاضنة تأهيل الكوادر الوطنية التي حملت عبء تطوير الطيران المدني السوداني عبر عقود. إن توثيق نشأة المعهد ومسيرته لا ينفصل عن توثيق تاريخ الطيران المدني نفسه، فكلاهما وُلدا من رحم الحاجة إلى المعرفة، والتنظيم، وبناء القدرات الوطنية.
تمثّل هذه المقدمة مدخلًا لسرد توثيقي أوسع، يستهدف حفظ الذاكرة المؤسسية للطيران المدني في السودان، وتقديم قراءة متصلة للجذور الأولى التي انطلقت منها هذه المنظومة، وصولًا إلى مؤسساتها التعليمية والتنظيمية الحديثة.



