أمن المطارات والموانئ في السودان أمام اختبار حاسم
إبراهيم عدلان
لن يكتمل أي مشروع إصلاحي أو نهضوي في قطاع النقل الجوي والبحري في السودان ما لم يُستكمل بإدخال نظام معلومات الركاب المسبقة (API)، باعتباره أحد أهم منظومات الأمن الحدودي الحديثة المعتمدة عالميًا. فاعتماد السودان ضمن منظومة الدليل العالمي للمفاتيح العامة للجوازات (PKD) خطوة متقدمة ومهمة، لكنها تظل ناقصة الأثر ما لم تُستكمل بالبنية التشغيلية التي تُمكّن الدولة من الاستفادة الفعلية من هذا الاعتماد، وفي مقدمة تلك البنى نظام API.
أولاً: ماهية نظام API ودوره الأمني
نظام API هو نظام إلكتروني متقدم يعمل بتقنيات بيومترية وتحليل بيانات متكامل، يتيح للسلطات المختصة فحص بيانات المسافرين المتجهين إلى الدولة قبل صعودهم إلى الطائرة. وتكمن قوته في كونه يشكل “حائط صد أمني” استباقي، حيث يقوم بفلترة الركاب ومطابقة بياناتهم مع قواعد بيانات أمنية دولية، مما يتيح منع أي شخص مطلوب أو مشتبه به من السفر أصلاً، بدلاً من اكتشافه بعد الوصول.
هذا التحول من الأمن التفاعلي إلى الأمن الاستباقي هو جوهر فلسفة أمن الحدود الحديثة التي تعتمدها الدول المتقدمة.
ثانياً: البدايات – ورشة الأمم المتحدة 2020
في يوليو 2020 بدأت أولى الخطوات العملية نحو إدخال هذا النظام في السودان، وذلك عبر المشاركة في ورشة أممية متخصصة عُرفت باسم Go Travel. وقد شكلت هذه الورشة نقطة تحول معرفية، إذ كشفت للمشاركين الإمكانات التقنية الهائلة التي توفرها أنظمة فحص المسافرين المسبقة، ولفتت الانتباه إلى الفجوة القائمة في البنية الأمنية السودانية مقارنة بالمعايير الدولية علماً بان ادخال مثل هذا النظام كان احد مطلوبات رفع اسم السودان من الارهاب.
ثالثاً: حادثة ديسمبر ودق ناقوس الخطر
في ديسمبر من العام نفسه وقعت حادثة خطيرة تمثلت في دخول أحد المطلوبين دوليًا في قضايا إرهاب عبر مطار الخرطوم واختفائه داخل البلاد. هذه الواقعة كانت بمثابة جرس إنذار حقيقي أظهر هشاشة منظومة الفحص التقليدية، ودفع السلطات إلى التحرك العاجل.
وعلى إثر ذلك، عُقد اجتماع رفيع المستوى بمقر مجلس الوزراء، كُلِّف خلاله كاتب هذه السطور بالبحث عن نظام فعال قادر على فحص المسافرين وفق المعايير الدولية.
رابعاً: تشكيل اللجنة الأمنية المشتركة
تم تشكيل لجنة فنية وأمنية ضمت ممثلين عن مختلف الأجهزة ذات الصلة، في خطوة تعكس إدراكًا مؤسسيًا بأن أمن الحدود مسؤولية تكاملية لا يمكن أن تنهض بها جهة واحدة. وشرعت اللجنة في دراسة الأنظمة المتاحة عالميًا، مستندة إلى ما تم اكتسابه من معرفة خلال ورشة الأمم المتحدة، في عملية تعريفية (Familiarization) شاملة.
خامساً: العطاء العالمي والشركات المتنافسة
تم طرح المشروع في عطاء عالمي تقدمت له ثلاث شركات دولية رائدة في تقنيات أمن المسافرين:
• شركة Shield البريطانية المتخصصة في حلول الأمن التقني
• شركة Securiport الأمريكية ذات الخبرة الطويلة في أنظمة API
• شركة SITA العالمية المعروفة في تقنيات الاتصالات الجوية
وقد دُعيت الشركات الثلاث لتقديم عروض تفصيلية أمام اللجنة الأمنية المشتركة، حيث استعرضت كل شركة قدراتها التقنية وأنظمتها التشغيلية.
سادساً: أسباب اختيار شركة Securiport
بعد دراسة العروض بصورة فنية ومالية وأمنية، تم التوافق بالإجماع على التعاقد مع شركة Securiport للأسباب التالية:
1. توافق أجهزتها مع أنظمة قراءة الجوازات المستخدمة محليًا.
2. عرض مالي أكثر ملاءمة مقارنة بالمنافسين.
3. مدة تعاقد أقصر مع قابلية التجديد.
4. التزام تعاقدي بعدم رفع الأسعار مستقبلًا.
5. ملكية كاملة للبيانات لصالح حكومة السودان.
6. قدرة النظام على الفحص عبر ثلاث قواعد بيانات أمنية دولية:
• القائمة الأمريكية لمنع السفر (No-Fly List)
• القائمة الأوروبية للأشخاص محل الاهتمام
• قاعدة بيانات الإنتربول
بينما كانت بعض العروض الأخرى تقتصر على قاعدة واحدة فقط.
سابعاً: اتفاقية مميزة من حيث الشروط
أسفرت المفاوضات مع الشركة الأمريكية عن اتفاق نوعي تضمن:
• إدخال وتركيب الأجهزة مجانًا
• انتقال ملكية النظام بالكامل لحكومة السودان بعد خمس سنوات
• إمكانية التجديد بعد انتهاء العقد
وقد تم توقيع الاتفاق رسميًا بحضور وزير الدفاع، وممثل وزارة العدل، وممثلي شركات الطيران، والغرفة التجارية للنقل الجوي، في مشهد يعكس الإجماع المؤسسي على أهمية المشروع.
ثامناً: التعطيل الإداري والصراع غير المعلن
رغم اكتمال الإجراءات القانونية والتعاقدية، تعرض المشروع لاحقًا لحالة من المماطلة والتعطيل، نتيجة تدخلات من جهات نافذة كانت تدعم شركة منافسة في العطاء. وقد أدى ذلك إلى تجميد التنفيذ فعليًا، رغم أن العقد المبرم مع الشركة المختارة عقد قانوني موثق مستوفٍ لكل الشروط.
وهكذا ظل المشروع، الذي يمثل ضرورة أمنية وطنية، معلقًا في دائرة التجاذبات، بدل أن يرى النور ويؤدي دوره في حماية البلاد.
خاتمة
إن إدخال نظام API لم يعد خيارًا تقنيًا أو مشروعًا تطويريًا يمكن تأجيله، بل أصبح ضرورة سيادية ترتبط مباشرة بأمن الدولة وسمعتها الدولية والتزاماتها في مجال مكافحة الإرهاب والجريمة العابرة للحدود. كما أن اكتمال الاستفادة من عضوية السودان في منظومة PKD العالمية يظل رهينًا بتفعيل هذا النظام.
إن التجربة التي مر بها هذا المشروع تقدم درسًا مؤسسيًا مهمًا مفاده أن التحدي الحقيقي في الإصلاح لا يكمن في المعرفة أو التمويل أو التكنولوجيا، بل في الإرادة التنفيذية واستقلال القرار الفني عن الضغوط والمصالح. وعليه، فإن استئناف تنفيذ هذا المشروع يجب أن يكون أولوية وطنية عاجلة، لأنه يمثل خط الدفاع الأول عن حدود السودان في عصر الأمن الرقمي.
