حادث تصادم من الذاكرة..عندما كانت الخرطوم محطة أساسية للتزوّد بالوقود
إبراهيم عدلان
في تلك الأزمنة التي كانت فيها الخرطوم أكثر من مطار، كانت محطةً للعبور الإنساني قبل أن تكون معبرًا جويًا، تستريح عندها الطائرات كما يستريح المسافر في ظل نخلةٍ على ضفاف النهر. كانت الطائرات تهبط لا لتملأ خزاناتها بالوقود فحسب، بل لتغتسل — على نحوٍ خفي — برائحة النيل، وتلتقط شيئًا من دفء المدينة الذي لا يُقاس بدرجات الحرارة، بل بدرجات الود.
هناك، حيث كانت الخرطوم نقطةً مضيئة على خرائط الرحلات الطويلة بين الشمال والجنوب، كانت أطقم الطيران يعرفون المطار كما يُعرف صديق قديم؛ يعرفون صوته في الليل، وضوءه عند الفجر، وحتى سكونه في الظهيرة. لم تكن ساحة الوقوف مجرد إسفلتٍ يمتد، بل مسرحًا صامتًا تتجاور فيه لغاتٌ ولهجات وأعلام، وتتعانق فيه خطوط الملاحة كما تتعانق مياه النيلين.
وفي ذلك المشهد الهادئ، وقع التصادم. لم يكن انفجار قدرٍ بقدر ما كان تعثّر لحظة. حادثٌ عابر في سجل الزمن، لكنه بقي شاهدًا على مرحلةٍ كانت فيها الخرطوم قلب الطريق، ومفترق الأجنحة، وموضع ثقة الطيارين في رحلاتٍ كانت تُقاس بالنجوم لا بالأقمار الصناعية.
تبدلت الأزمنة، وتغيرت المسارات، وصارت المطارات محطات تقنية أكثر منها محطات ذاكرة. لكن الذين شهدوا تلك الأيام يعرفون أن بعض المطارات لا تُغادر القلب حتى إن غادرت الخرائط. فالخرطوم، حين كانت محطة للتزوّد بالوقود، كانت أيضًا محطةً للتزوّد بالحنين — والحنين وقودٌ لا ينفد.
