القيادة في الطيران المدني بين التراتبية الإدارية والاختصاص المهني: قراءة في فلسفة الهيكل المؤسسي

القيادة في الطيران المدني بين التراتبية الإدارية والاختصاص المهني: قراءة في فلسفة الهيكل المؤسسي

إبراهيم عدلان

يُعدّ الطيران المدني من أكثر القطاعات حساسيةً وتعقيداً في بنية الدولة الحديثة، إذ يقوم على منظومة دقيقة من الاختصاصات الفنية والتنظيمية التي لا تحتمل التداخل أو الغموض في توزيع السلطات. ومن هنا نشأ مبدأ الفصل المؤسسي بين الشق المهني والشق الإداري باعتباره أحد الأعمدة الأساسية لضمان سلامة الطيران وكفاءة الأداء واستقرار القرار.

أولاً: طبيعة القيادة في المؤسسات الفنية

القيادة في مؤسسات الطيران ليست مجرد موقع إداري، بل وظيفة نوعية تتطلب معرفة تخصصية عميقة بطبيعة العمليات الجوية ومعايير السلامة الدولية. فالقرار في هذا القطاع قد يصدر في ثوانٍ، لكنه يحمل تبعات تتعلق بسلامة الأرواح والمجال الجوي وسمعة الدولة أمام المجتمع الدولي. لذلك استقر العرف المؤسسي العالمي على أن القيادة التشغيلية يجب أن تكون بيد أصحاب الخلفية المهنية الفنية، بينما تضطلع الإدارات الإسنادية بدورها الحيوي في الدعم دون أن تتصدر القرار التشغيلي.

ثانياً: الترقية الإدارية وحدود السلطة الفنية

أفرزت الترقيات الأخيرة في سلطة الطيران المدني واقعاً تنظيمياً أثار نقاشاً واسعاً، حين رُفعت مديرة دائرة الاستراتيجية والتخطيط إلى درجة وظيفية عليا جعلتها التالية مباشرة للمدير العام في السلم الإداري. وقد انصبّ الجدل حول مسألة جوهرية:
هل تعني الدرجة الوظيفية تلقائياً أحقية القيادة عند غياب المدير العام؟

الإجابة المؤسسية الرصينة تميّز بين الاستحقاق الوظيفي والاختصاص القيادي الفني. فالترقية حق تنظمه اللوائح، لكن القيادة التشغيلية مسؤولية نوعية ترتبط بالكفاءة التخصصية، لا بالترتيب المالي أو الإداري وحده.

ثالثاً: معالجة هيكلية سابقة — نموذج الفصل المتوازن

في محاولة لمعالجة هذه الإشكالية بصورة مؤسسية، جرى سابقاً استحداث منصبين قياديين هما:
• مساعد المدير للشؤون الفنية
• مساعد المدير للشؤون الإدارية

وقد جاء هذا التنظيم اتساقاً مع موجهات مجلس الوزراء الواردة في المرسوم رقم (12) لسنة 2017 الذي ألغى منصب نائب المدير العام، مما استدعى إيجاد بديل يضمن وضوح التسلسل القيادي دون الإخلال بمبدأ التخصص. وبموجب هذه المعالجة، أُنيطت قيادة السلطة عند غياب المدير العام بمساعد المدير للشؤون الفنية، باعتباره الأقدر على التعامل مع مقتضيات القرار التشغيلي.

هذا النموذج حقق معادلة تنظيمية متوازنة:
• احترام التراتبية الإدارية
• ضمان القيادة المهنية
• منع تضارب الصلاحيات

رابعاً: إلغاء المواقع وإشكالية القرار

غير أن هذا البناء التنظيمي لم يستمر، إذ جرى لاحقاً إلغاء الموقعين القياديين. ومهما تكن مبررات القرار، فإن إلغاء مواقع هيكلية دون دراسة أثر مؤسسي أو مبررات فنية يثير تساؤلات حول منهج اتخاذ القرار في مؤسسات يفترض أن تُدار وفق قواعد الاستقرار التنظيمي لا الاعتبارات الشخصية أو الظرفية.

فالقاعدة الإدارية المستقرة تقول إن الهياكل تُبنى على الوظائف لا على الأشخاص، لأن ربط البناء المؤسسي بالأفراد يجعل المؤسسة عرضة للاهتزاز مع كل تغيير قيادي.

خامساً: الدرس المؤسسي المستفاد

تكشف هذه التجربة أن الخلط بين التراتبية الإدارية والتسلسل المهني قد يؤدي إلى:
• ازدواجية القرار
• ارتباك الصلاحيات
• تراجع الانضباط الفني
• اهتزاز الثقة داخل الكادر المتخصص

بينما يضمن الفصل الواضح بين القيادة المهنية والقيادة الإدارية استقرار المؤسسة، ويمنح كل قطاع مساحته الطبيعية في الأداء دون تضارب.

الخلاصة

إن إصلاح مؤسسات الطيران المدني لا يتحقق بإعادة توزيع المناصب فحسب، بل بترسيخ فلسفة تنظيمية تقوم على وضع الشخص المناسب في الموقع المناسب وفق طبيعة الاختصاص. فالترقية تقديرٌ للكفاءة، لكنها لا تعني بالضرورة صلاحية القيادة التشغيلية، خصوصاً في قطاع تُقاس قراراته بميزان السلامة.

القاعدة الذهبية التي أثبتتها التجارب العالمية:

القيادة في المرافق الفنية تُمنح لأهل الاختصاص، لا لأصحاب الدرجات فقط.

وعندما تُبنى الهياكل على هذا الأساس، تصبح المؤسسة أكثر استقراراً، وأكثر مهنية، وأكثر قدرة على أداء رسالتها في حماية السماء ومن فيها.

Exit mobile version