إكتشاف أثري يعيد كتابة التاريخ في السودان

في تطور علمي لافت، كشفت دراسة حديثة نُشرت في مجلة Scientific Reports عن معطيات جديدة تقلب مفاهيم استقرت لعقود بشأن تاريخ الإنسان في السودان والقارة الإفريقية، بعد إعادة تحديد عمر جمجمة «إنسان سنجة» المكتشفة عام 1924.

جمجمة إنسان سنجة.. عمر جديد يغيّر السردية التاريخية

أظهرت نتائج الدراسة أن جمجمة «إنسان سنجة» المكتشفة على ضفاف النيل الأزرق لا يتجاوز عمرها 39 ألف سنة، بدلاً من أكثر من 130 ألف سنة كما كان يُعتقد سابقاً. ولا يمثل هذا التعديل مجرد تصحيح رقمي، بل إعادة صياغة شاملة لفهم تطور الإنسان ومسارات الهجرة والاستيطان داخل إفريقيا.

تفاصيل التقويم الدراسي الجديد في الخرطوم للعام 2026

تقنية حديثة تكشف الخطأ القديم

اعتمد فريق البحث الدولي على تقنية التأريخ بالتحفيز الضوئي OSL، التي تقيس آخر مرة تعرضت فيها حبيبات الرمل المحيطة بالجمجمة للضوء قبل دفنها. كما استعان الباحثون بنماذج إحصائية متقدمة تربط أعمار الطبقات الرسوبية بعمقها الجيولوجي، ما أتاح تحديد العمر بدقة وكشف خطأ استمر لعقود.

وأزاحت هذه النتائج الافتراض السابق الذي وضع الجمجمة ضمن المراحل المبكرة لظهور الإنسان العاقل، لتشير إلى أنها تعود إلى أواخر العصر الجليدي، وهي فترة متقدمة نسبياً في تاريخ البشرية.

فجوة زمنية بين سنجة وأبو حجر

كما بيّنت الدراسة أن موقع «أبو حجر» المجاور يضم رواسب أقدم بكثير، يتراوح عمرها بين 117 ألف و314 ألف سنة، ما يكشف عن فجوة زمنية كبيرة بين الموقعين، ويدحض الاعتقاد السائد بأنهما ينتميان إلى الحقبة نفسها.

هذا التباين الزمني يعكس تعقيداً أكبر في التاريخ الجيولوجي والبشري لمنطقة النيل الأزرق، ويؤكد أن المشهد التطوري للإنسان في السودان أكثر تشابكاً مما كان يُتصور.

إعادة رسم خريطة الهجرة البشرية في إفريقيا

وبحسب التقدير الجديد، فإن إنسان سنجة عاش في مرحلة متأخرة نسبياً، ما يفرض مراجعة فرضيات سابقة حول مسارات هجرة الإنسان العاقل وانتشاره داخل القارة الإفريقية، ودوره في تشكيل الخريطة السكانية المبكرة.

فريق دولي ومشاركة سودانية بارزة

أنجز الدراسة فريق بحثي دولي من مؤسسات علمية في ألمانيا وفرنسا والولايات المتحدة والصين والسودان، بمشاركة مباشرة من باحثين سودانيين، من بينهم الدكتور خلف الله صالح من جامعة النيلين والدكتور علي عيساوي.

وأكد الدكتور خلف الله صالح أن النتائج تكشف عن تعقيد أكبر في تاريخ الإنسان بمنطقة النيل الأزرق، وتمثل مراجعة شاملة للسياق التاريخي الذي استندت إليه قراءات علمية متراكمة على مدى عقود.

من صدفة عام 1924 إلى اكتشاف يعيد كتابة التاريخ

وتعود قصة الجمجمة إلى عام 1924 إبان الحكم الثنائي الإنجليزي المصري، حين عُثر عليها مصادفة في مدينة سنجة، التي تبعد نحو 250 كيلومتراً جنوب الخرطوم. ونُقلت لاحقاً إلى لندن، حيث اعتُبرت لعقود من أقدم الهياكل البشرية في إفريقيا.

إلا أن التقنيات الحديثة أعادت تقييم هذا الإرث العلمي، لتؤكد أن ما استقر في الكتب لعقود بات اليوم بحاجة إلى مراجعة، في ضوء أدوات علمية أكثر دقة.

وهكذا، لم تعد سنجة مجرد موقع أثري تقليدي، بل تحولت إلى نقطة محورية في إعادة قراءة تاريخ الإنسان في وادي النيل والقارة الإفريقية بأسرها.

Exit mobile version