التحالفات والترتيبات التجارية في صناعة الطيران ومستقبل اندماج الشركات السودانية في الشبكات العالمية

التحالفات والترتيبات التجارية في صناعة الطيران ومستقبل اندماج الشركات السودانية في الشبكات العالمية

كتب :سامي محمد الامين

تُعدّ صناعة النقل في العالم من أسرع الصناعات نمواً، وذلك بفضل الطفرة التكنولوجية الهائلة وتقدّم صناعة الطائرات، وأثر نمو أساطيل الشركات والازدياد المضطرد لعدد الوجهات في نشوء وتطور العلاقات التجارية بين شركات الطيران. فلم تعد الشركات تعمل في عزلة، بل باتت ترتبط فيما بينها عبر ترتيبات تجارية واتفاقيات معقدة تخلق شبكات واسعة للخدمات، وتحقق مزايا اقتصادية وتشغيلية، وتوسّع من خيارات المسافرين. وفي هذا المقال نضع بين يدي القارئ محاولة لفهم هذه الترتيبات وأنواعها وشروطها وعلاقات الدول بها، ويقيني أن هنالك الكثير من الخبرات السودانية المميزة ذات الباع الطويل القادرة على المشاركة، لنجعل هذه الإضاءة تنير الكثير من الزوايا لفائدة الجميع، ثم ننتقل بعدها إلى وضعية الشركات السودانية وكيف يمكن لشركاتنا السودانية أن تستغل فرص التحالف بعد ترتيب أوضاعها الداخلية، خاصة في ظل امتلاكها لطائرات الجيل الجديد.

أولاً: ما المقصود بالترتيبات التجارية بين شركات الطيران؟
الترتيبات التجارية هي اتفاقيات بين شركتين أو أكثر لتنظيم الجوانب التشغيلية والتسويقية لرحلات الطيران، وتتنوع هذه الترتيبات بحسب مستوى التكامل:

  1. اتفاقيات المشاركة في الرموز (Code-Share)
    ب يُعد “الرمز المشترك” أو الـ Code Share أحد أكثر الممارسات التجارية شيوعاً وأهمية في عالم الطيران الحديث. وعادة ما يُعرَّف بأنه ترتيب تجاري بموجبه تقوم شركتان أو أكثر من شركات الطيران بمشاركة نفس الرحلة، حيث تضع شركة طيران رمزها الخاص (المكوَّن من حرفين، مثل SD لسودانير، MS لمصر للطيران، J4 لبدر، و3T لتاركو) على رحلة تُشغّلها شركة طيران أخرى باستخدام طائرتها وطاقمها.

الأطراف المعنية في العملية
في أي اتفاقية مشاركة بالرمز، تنقسم الأدوار إلى طرفين أساسيين:

الناقل المُشغِّل (Operating Carrier): هي الشركة التي تملك الطائرة، وتوفّر الطاقم، وتقوم فعلياً بتنفيذ الرحلة.
الناقل التسويقي (Marketing Carrier): هي الشركة التي تبيع التذاكر وتضع رمزها ورقم رحلتها الخاص على تلك الرحلة، لكنها لا تستخدم طائراتها الخاصة.
وتلجأ الشركات لاستخدام هذه الترتيبات لتحقيق عدة فوائد استراتيجية للطرفين وللمسافر أيضاً، متمثلة في الآتي:

أولاً: توسيع الشبكة: تتيح للشركات الوصول إلى وجهات لا تطير إليها طائراتها فعلياً دون الحاجة لاستثمار ضخم في شراء طائرات جديدة.
ثانياً: زيادة الخيارات للمسافر: يحصل المسافر على جدول رحلات أكثر مرونة وإمكانية حجز رحلة بتذكرة واحدة، حتى لو تضمنت الرحلة عدة شركات طيران.
ثالثاً: تجميع الأميال: غالباً ما تسمح هذه الاتفاقيات للمسافرين بجمع نقاط الولاء (الأميال) في برنامج واحد رغم السفر على خطوط مختلفة.
وهناك أمر يجب مراعاته عند استخدام هذه الترتيبات، وهو “حق المعرفة”. فعند حجز تذكرة “مشاركة بالرمز”، يجب أن يتم إبلاغ المسافر بوضوح أثناء عملية الحجز بأن:
“هذه الرحلة يتم تشغيلها بواسطة شركة أخرى”، مع توضيح اسمها، وعادة ما يجد ذلك مكتوباً تحت رقم الرحلة: “Operated by…”

  1. الاتفاقيات التجارية الموسعة (Commercial Cooperation Agreements)
    تتجاوز المشاركة في الرموز، وتشمل:

تقاسم العائدات (Revenue Sharing): أي تقاسم الإيرادات بين الشركات على مسارات محددة.
التسعير المشترك (Joint Pricing): الاتفاق على سعر موحد للرحلة في السوق.
العمليات المشتركة (Joint Operations): إدارة وتشغيل بعض الخدمات المشتركة مثل المبيعات والتوزيع.
على سبيل المثال: على مسار طويل، تتفق شركتان على تشغيل الرحلة معاً، وتحديد حصص العائدات، وتقاسم المخاطر التشغيلية.

  1. التحالفات (Airline Alliances)
    التحالف هو اتفاق تجاري يجمع بين شركتين أو أكثر من شركات الطيران، بهدف تحقيق مستوى عالٍ من التعاون والمصالح المتبادلة. والمبدأ الأساسي هو “التكامل”، بحيث تظهر الشركات الأعضاء أمام المسافر وكأنها شبكة واحدة عالمية، مع الاحتفاظ بالهوية القانونية المستقلة لكل شركة.

وحتى تتمكن شركة طيران من الانضمام إلى تحالف عالمي، يجب أن تستوفي معايير صارمة تضمن الآتي:

معايير السلامة: الالتزام الكامل بتدقيق السلامة التشغيلية الخاص بالأياتا (IOSA).
التوافق التقني: القدرة على ربط أنظمة الحجز وإصدار التذاكر آلياً مع باقي الأعضاء.
الجودة والخدمة: توفير مستويات خدمة متقاربة (خاصة في درجات رجال الأعمال والدرجة الأولى) لضمان تجربة سفر موحدة.
الموقع الاستراتيجي: غالباً ما يبحث التحالف عن شركة تغطي “ثغرة” جغرافية في شبكته الحالية.
ويُعتبر التحالف من أرقى مستويات التعاون، ويمتاز بتنسيق شامل بين شركات كثيرة عبر العالم، لكونه يوفر العديد من المزايا، المتمثلة في توفير شبكة رحلات عالمية مترابطة، وبرامج ولاء مشتركة (أميال المسافر)، بالإضافة إلى تكامل جداول الرحلات لتقليل أوقات الانتظار، ويدعم ذلك استخدام صالات ركاب مشتركة. ومن أهم أنواع التحالفات في مجال الطيران الآتي:

  1. تحالف ستار (Star Alliance)
    تأسس هذا التحالف عام 1997، وهو الأقدم والأكبر على الإطلاق. يضم في عضويته نحو 26 شركة طيران، من أبرزها (لوفتهانزا، يونايتد، سنغافورة، ومصر للطيران). ويتميز بأنه يمتلك أضخم شبكة وجهات في العالم (أكثر من 1,300 وجهة)، ويستحوذ على الحصة السوقية الأكبر بنسبة تقارب 23%، إضافة إلى قوته الجغرافية داخل أوروبا وآسيا، حيث يوفر أكبر عدد من الرحلات اليومية والربط بين المدن الثانوية.
  2. تحالف سكاي تيم (SkyTeam)
    تأسس عام 2000، ويحتل المرتبة الثانية عالمياً من حيث الحجم بحصة سوقية تصل إلى 20%. يضم حوالي 20 شركة طيران، أهمها (دلتا، الخطوط الفرنسية، والخطوط السعودية). ويركز هذا التحالف بشكل مكثف على تجربة المسافر وسهولة “الترانزيت” بين الشركات الأعضاء، ويغطي حوالي 1,050 وجهة، ويتميز بأنه الخيار الأقوى للمسافرين عبر المحيط الأطلسي (بين أمريكا وأوروبا)، وله حضور كبير في الصين. وبالنسبة للمسافر العربي، فهو تحالف حيوي لوجود “السعودية” فيه كعضو فاعل.

  3. تحالف عالم واحد (oneworld)
    تأسس عام 1999، ورغم أنه الأصغر من حيث عدد الأعضاء (حوالي 15 شركة)، إلا أنه يركز على “النوعية لا الكمية”. يضم شركات رائدة مثل (الخطوط القطرية، البريطانية، والأمريكية)، ويتميز بأنه الأشهر في تقديم أفضل مستويات الخدمة الفاخرة وصالات كبار الشخصيات الحائزة على جوائز عالمية. يغطي قرابة 1,000 وجهة بحصة سوقية تبلغ 18%، كما أنه يربط بقوة بين المراكز المالية الكبرى (Hubs) مثل لندن، نيويورك، الدوحة، وهونغ كونغ، وهو بالتالي المفضل لرجال الأعمال والمسافرين الذين يبحثون عن الرفاهية المطلقة.

المحاذير والتحديات المرتبطة بالتحالفات
رغم الفوائد التي ذُكرت عن التحالفات، فهناك بعض الشواغل والملاحظات القانونية والتجارية التي تتعامل معها سلطات الطيران المدني بحذر فيما يتعلق بهذه الترتيبات، وتتمثل في:

الاحتكار وتقييد المنافسة: قد تؤدي التحالفات القوية إلى سيطرة مجموعة معينة على خطوط محددة، مما يرفع أسعار التذاكر بسبب غياب المنافسين الصغار.
فقدان الهوية الخاصة: قد تذوب شخصية بعض شركات الطيران الوطنية داخل معايير التحالف الصارمة.
قوانين مكافحة الاحتكار (Antitrust): تواجه التحالفات رقابة شديدة من الحكومات لضمان عدم الاتفاق سراً على تثبيت الأسعار.
الاعتماد المتبادل: إذا واجهت شركة كبرى في التحالف أزمة مالية أو إضراباً، فقد تتأثر سمعة وعمليات باقي الشركاء.
ختاماً، فإن التحالفات ليست مجرد شعار يوضع على الطائرة أو التذكرة، بل هي عملية دمج تقني وعملياتي معقدة تتطلب استثمارات بملايين الدولارات في البنية التحتية الرقمية للشركات المتحالفة.

الحيز المحجوز (Blocked Space / Space Allocation)
إلى جانب الأنواع الثلاثة أعلاه، يوجد ترتيب تجاري مهم يُستخدم كثيراً في الأسواق الناشئة أو في المراحل الانتقالية قبل التحالف الكامل، وهو الحيز المحجوز، وهو اتفاق تقوم بموجبه شركة بحجز عدد محدد من المقاعد مسبقاً على رحلة تُشغّلها شركة أخرى، بغض النظر عن بيع هذه المقاعد فعلياً.

أي بمعنى آخر أن شركة التشغيل توفر الرحلة، والشركة المتعاقدة تحجز عدداً ثابتاً من المقاعد وتتحمل مخاطر بيعها.

وهو بالتالي لا يمنح الشركة الحاجزة صفة “مشغل الرحلة”، وتتحمل الشركة الحاجزة مخاطر المقاعد غير المباعة، ولا يسمح لها بالتحكم في التسعير للمقاعد المحجوزة، وقد يتم دون وضع رمز مشترك (أو قد يُجمع بينه وبين المشاركة في الرموز). وعلى الرغم من ذلك، فهو يمثل استراتيجية مهمة تتيح للشركات دخول سوق معين دون تشغيل طائرة خاصة، ويُستخدم كمرحلة اختبار قبل الدخول في مشاركة رموز كاملة، وذلك عبر منح ضمان سعة على خطوط جوية ذات طلب مرتفع. ولعل من أهم المخاطر المتعلقة به حدوث خسائر محتملة إذا لم تُبع المقاعد المحجوزة، بالإضافة إلى تعقيدات في إدارة العائدات، كما أنه يتطلب ضرورة وجود تنسيق تقني دقيق بين أنظمة الحجز. ويمكن القول ختاماً إن الحيز المحجوز يشكل أداة تجارية مرنة بين الاستقلال الكامل والتحالف المتكامل.

العلاقة بين الترتيبات والاتفاقيات التجارية بين الشركات والاتفاقيات الثنائية لخدمات النقل الجوي بين الدول
يُعتبر وجود اتفاق نقل جوي بين الدول التي يتم تشغيل الترتيبات التجارية بينها من الأسس التي لا يمكن بدونها أن يتمكن أي تحالف أو مشاركة بين شركتين من التشغيل. فيجب أولاً أن تكون هناك اتفاقيات نقل جوي بين الدول تسمح لهذه الشركات بالعمل في أجواء ومسارات الدولة الأخرى، وهي الاتفاقيات المعروفة بـ الاتفاقيات الجوية الثنائية (Bilateral Air Service Agreements)، وهي التي تسمح أساساً بعدد الرحلات المسموح بها بين البلدين، وتمنح بموجبها الحقوق التي يمكن لشركات كل دولة الاستفادة منها (مثل الحق في الهبوط، المرور، نقل الركاب).فلا يمكن لأي شركة طيران أن تُشغّل رحلات دولية دون وجود هذه الاتفاقيات، فهي الأساس القانوني الذي يسمح للشركات بالتفاوض على اتفاقيات مشتركة، فعبرها تُحدد حقوق النقل (Traffic Rights) التي تفتح أسواقاً أمام التشغيل التجاري، وغالباً ما تشترط هذه الاتفاقيات الثنائية نصاً صريحاً يجيز المشاركة في الرموز أو ترتيبات الحيز المحجوز.

الشركات السودانية والترتيبات التجارية والتحالفات
من المبشر جداً أن الشركات السودانية بدأت تُشغّل طائرات من الجيل الجديد، والانضمام إلى برامج الأياتا للتشغيل الآمن، أو ما يُعرف بـ IOSA، مما يفتح الباب أمامها، بعد تطوير أنظمة الجودة والحجوزات، للبدء في الولوج إلى عالم التحالفات عبر الصيغ التي تتناسب مع إمكاناتها حسب مراحل تطورها، مع تجاوز التحديات المتعلقة بالقيود على الاتفاقيات الثنائية الجوية بين السودان ودول رئيسية، بالإضافة إلى توقيع المزيد من الاتفاقيات مع الدول التي يُتوقع أن تشملها هذه الترتيبات.

إضافة إلى ذلك، على الشركات السودانية ترتيب الوضع الداخلي بتحديث اللوائح التشغيلية لتتوافق مع معايير السلامة الدولية، ومواصلة جهودها في تعزيز أسطولها بطائرات الجيل الجديد الذي له كفاءة أعلى في استهلاك الوقود، ويوفر راحة أفضل للركاب، ويقلل تكاليف الصيانة، ويفتح فرصاً أكبر للتشغيل في أسواق طويلة المدى. ثم تبدأ بعدها مرحلة الدخول أولاً في ترتيبات تجارية باستخدام تقاسم الرموز (Code-Share) مع شركات إقليمية، بالإضافة إلى استخدام الحيز المحجوز كمرحلة انتقالية منخفضة المخاطر، ثم تليها ترتيبات التعاون التجاري Commercial Cooperation.

وبعد تراكم الخبرات والسمعة سنرى، بإذن الله، شركاتنا الوطنية ضمن عضوية أحد التحالفات العالمية.

ختاماً

إن العلاقات التجارية في عالم الطيران منظومة متكاملة تستند إلى قواعد قانونية وطنية ودولية، وقدرات تشغيلية وتكنولوجية، وشبكات تسويقية واسعة، وشركاتنا مدعومة بسوقنا المحلي والإقليمي عبر اتفاقيات النقل الجوي الثنائية لديها فرصة كبيرة لتثبيت أقدامها في هذه الشبكات إذا ما رتبت أوضاعها الداخلية، وطورت أسطولها، ونظمت بيئتها القانونية، وانطلقت تدريجياً من الحيز المحجوز إلى المشاركة في الرموز ثم إلى التحالفات العالمية.

Exit mobile version