حماية الناقل الوطني واجب دولة لا مجال فيه للقرارات المتعجلة

حماية الناقل الوطني واجب دولة لا مجال فيه للقرارات المتعجلة
بقلم: حجازي بكري عثمان
في ظل المرحلة الدقيقة التي تمر بها البلاد، يصبح الحفاظ على مؤسسات الدولة الاستراتيجية واجباً وطنياً لا يقبل المساومة، وعلى رأس هذه المؤسسات شركة الخطوط الجوية السودانية التي تمثل رمز السيادة الاقتصادية وأحد أعمدة البنية التحتية للنقل والخدمات اللوجستية في السودان.
إن القرار القاضي بإزالة مستودعات الصادر التابعة لسودانير بمطار الخرطوم يثير جملة من التساؤلات المشروعة حول جدواه وتوقيته وأبعاده الحقيقية، خاصة إذا ما وضع في سياقه التاريخي الذي شهد تغول شركة شركة مطار الخرطوم على اختصاصات الناقل الوطني عبر دخولها في خدمات تعد من صميم عمله، مثل خدمات الدفع الخلفي للطائرات، ورسوم الصادر، والمناولة الأرضية، وهي أنشطة يفترض أن تكون من الحقوق التشغيلية الحصرية لسودانير بحكم كونها الناقل الوطني الرسمي.
الأخطر من ذلك أن مستودعات الصادر المستهدفة لا تمثل مجرد مبانٍ خدمية، بل تحتوي على واحدة من أكبر ثلاجات حفظ اللحوم في إفريقيا، وفق شهادات صادرة عن الصندوق الدولي للتنمية الزراعية (إيفاد)، ما يجعلها جزءاً من منظومة الأمن الغذائي وسلسلة الصادرات الوطنية، وليس مجرد منشأة يمكن الاستغناء عنها بقرار إداري.
إن الترويج لفكرة أن إزالة هذه المنشآت تأتي في إطار توسعة المطار لا يصمد أمام الفحص الموضوعي؛ فالموقع الجغرافي لمستودعات سودانير بعيد عن مناطق التوسعة المقترحة، كما أن المساحات الحالية لصالات المغادرة والوصول في مطار الخرطوم الدولي قادرة نظرياً على استيعاب حركة تصل إلى نحو 15 مليون مسافر سنوياً، وهي طاقة تشغيلية تضاهي ما يستقبله مطار أديس أبابا بولي الدولي رغم أن مساحته أقل نسبياً، ما يدل على أن المشكلة ليست في المساحة بقدر ما هي في كفاءة الإدارة والتشغيل.
من هنا، فإن ما يبدو كقرار فني قد يحمل في طياته أبعاداً اقتصادية خطيرة، إذ قد يؤدي عملياً إلى تمكين أطراف خاصة من السيطرة على قطاع الشحن الجوي، بما يضعف الناقل الوطني ويقوض بنيته التحتية ويهدد مستقبله، وهو ما يتعارض مع أبسط قواعد العدالة المؤسسية ومبادئ الحوكمة الرشيدة، فضلاً عن تعارضه مع المصلحة العامة.
إن الحفاظ على سودانير ليس دفاعاً عن شركة فحسب، بل عن سيادة الدولة الاقتصادية وذاكرتها الوطنية ومقدراتها الاستراتيجية. ومن هذا المنطلق، فإننا نناشد رئاسة الدولة ومجلس الوزراء التدخل العاجل لإيقاف هذا القرار ومراجعته عبر لجنة فنية مستقلة تراعي الاعتبارات الاقتصادية والقانونية والاستراتيجية، وتضع مصلحة الوطن فوق أي اعتبارات أخرى.
فالدول لا تبنى بإضعاف مؤسساتها الوطنية، بل بدعمها وتحديثها وتمكينها لتكون قاطرة للتنمية لا ضحية لقرارات متعجلة.



