ضياع الحقائب في المطارات السودانية.. من المسؤول: شركة الطيران أم المطار أم سلطة الطيران المدني؟

ضياع الحقائب في المطارات السودانية.. من المسؤول: شركة الطيران أم المطار أم سلطة الطيران المدني؟

الفاتح فقيري

إن أزمة ضياع أو تأخر الحقائب في المطارات السودانية، وعلى رأسها مطار بورتسودان، لم تعد مجرد خلل تشغيلي عابر أو حوادث فردية يمكن تجاوزها بالتبريرات المعتادة، بل أصبحت مؤشراً واضحاً على مشكلات أعمق تتعلق بالبنية التحتية وغياب الأنظمة الحديثة وضعف تطبيق القوانين والاتفاقيات الدولية ذات الصلة بحقوق المسافرين.

مطارات السودان.. من هيئة عامة إلى مؤسسة تشغيلية وطنية

فالمواطن الذي يصل إلى وجهته ينتظر أمتعته على السير المتحرك، ليجد نفسه في كثير من الأحيان أمام مشهد متكرر؛ حقائب مفقودة أو متأخرة، وإجراءات بطيئة، ووعود لا تجد طريقها إلى التنفيذ. وبين معاناة المسافر وتبادل الاتهامات بين الجهات المختلفة، يظل السؤال قائماً: من المسؤول قانوناً عن هذه الأزمة؟

وفقاً لاتفاقية مونتريال لعام 1999، التي تُعد المرجعية الدولية الأهم في مجال حقوق المسافرين، فإن المسؤولية المباشرة تجاه الراكب تقع على عاتق شركة الطيران. فالشركة هي الطرف المتعاقد مع المسافر من خلال التذكرة، وهي التي تتسلم الأمتعة وتصدر بطاقات الشحن الخاصة بها، وبالتالي تتحمل قانونياً مسؤولية التعويض عن فقدان الأمتعة أو تلفها أو تأخر وصولها، ولا يمكنها التنصل من هذه المسؤولية بحجة أن الخلل وقع داخل المطار.

في المقابل، تتحمل إدارة المطار مسؤولية توفير بيئة تشغيلية آمنة ومنظمة تضمن سلامة حركة الأمتعة منذ وصولها وحتى تسليمها للمسافرين. كما تقع عليها مسؤولية تطبيق الأنظمة التقنية الحديثة، وعلى رأسها نظام مطابقة الأمتعة (Baggage Reconciliation System – BRS)، الذي يحد من أخطاء المناولة ويمنع انتقال الحقائب دون أصحابها. وأي قصور في هذه الجوانب يمثل خللاً مؤسسياً يستوجب المعالجة والمساءلة.

أما سلطة الطيران المدني السوداني، فهي الجهة الرقابية والتشريعية العليا، ودورها يتمثل في وضع اللوائح ومراقبة الالتزام بها وضمان تطبيق المعايير الدولية داخل المطارات وشركات الطيران. ولا تتحمل السلطة مسؤولية دفع التعويضات للركاب، لكنها تمتلك صلاحيات المحاسبة وفرض الجزاءات على الجهات المقصرة.

كما أن الملحق السابع عشر لاتفاقية الطيران المدني الدولي يحدد مسؤوليات أمن الطيران فيما يتعلق بحماية المناطق المقيدة ومراقبة حركة الأمتعة ومنع أي اختراقات أمنية قد تؤثر على سلامة التشغيل، الأمر الذي يجعل الأجهزة الأمنية المختصة شريكاً أساسياً في منظومة حماية الأمتعة وتأمينها.

إن اختزال الأزمة في أخطاء موظفين أو الاكتفاء بالتصريحات الإعلامية لا يسهم في معالجة المشكلة، بل يبتعد عن جوهرها الحقيقي. فالحل يبدأ بإقرار المسؤوليات بوضوح، وتفعيل حقوق الركاب عملياً لا نظرياً، وإلزام شركات الطيران بالتعويض السريع والعادل، وتحديث أنظمة إدارة ومناولة الأمتعة بالمطارات، مع تشديد الرقابة من قبل سلطة الطيران المدني.

وخلاصة الأمر أن التعويض المالي مسؤولية شركات الطيران، والتشغيل مسؤولية إدارة المطار، والرقابة والمحاسبة مسؤولية سلطة الطيران المدني. وعندما تختلط هذه الأدوار أو يتم التنصل منها، يصبح المواطن هو الخاسر الأكبر، وتفقد المؤسسات قدرتها على حماية حقوق المسافرين وترسيخ الثقة في منظومة النقل الجوي.




مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.