ردٌّ جامع على ما ورد في مقال د. عادل صديق نمر بشأن رحلات الأمم المتحدة إلى مطار الخرطوم والإعفاءات والمراجعة المطلوبة

ردٌّ جامع على ما ورد في مقال د. عادل صديق نمر بشأن رحلات الأمم المتحدة إلى مطار الخرطوم والإعفاءات والمراجعة المطلوبة
إبراهيم عدلان
أشكر د. عادل صديق نمر على إثارة هذا الملف الحيوي في توقيت بالغ الحساسية، إذ إن استئناف الرحلات إلى مطار الخرطوم — ولو عبر عمليات إنسانية — يُعد مؤشرًا تشغيليًا مهمًا على عودة النشاط الجوي، لكنه في الوقت ذاته يفتح بابًا سياديًا وتنظيميًا يستوجب معالجة دقيقة تقوم على القانون والخبرة المهنية، لا على الانطباعات أو السوابق غير المدققة.
أولًا — التوصيف الصحيح لرحلات الأمم المتحدة
من الضروري تثبيت حقيقة أساسية: الأمم المتحدة لا تمتلك أسطول طائرات، وإنما تنفذ عملياتها الجوية عبر شركات طيران متعاقدة تمتلك الطائرات وتشغّلها بعقود خدمات. وعليه فإن الجهة المسؤولة قانونيًا وتشغيليًا أمام سلطات الطيران المدني هي المشغّل الجوي الفعلي الحاصل على شهادة تشغيل (AOC)، لأنه المسؤول عن صلاحية الطائرة، وتأهيل الطاقم، والتأمين، والامتثال الفني.
بناءً على ذلك، فالرحلة ليست “رحلة أممية” بالمعنى القانوني، بل رحلة تجارية مستأجرة لصالح منظمة دولية — وهو توصيف دقيق له آثار مباشرة على الرسوم والرقابة والاختصاص.
ثانيًا — مسألة الإعفاءات السابقة
أشير إلى أن بعض التسهيلات أو الاستثناءات مُنحت إبان عمل بعثة اليوناميد بموافقة وزير الخارجية آنذاك مصطفى عثمان إسماعيل. غير أن القراءة المؤسسية السليمة تقتضي فهم تلك الإعفاءات في إطارها الصحيح:
• كانت مرتبطة ببعثة محددة ذات تفويض دولي خاص.
• قامت على اتفاقيات وضع قانوني خاص.
• ارتبطت بظروف أمنية وإنسانية استثنائية.
وعليه فهي استثناءات ظرفية لا تُنشئ حقًا دائمًا ولا سابقة ملزمة، وتسقط بانقضاء سببها ما لم تُجدَّد بنص قانوني جديد. ولا يجوز القياس عليها لتطبيقها على عمليات أممية لاحقة تختلف طبيعتها أو أساسها القانوني.
ثالثًا — الرسوم والخدمات السيادية
الأصل أن كل طائرة تستخدم مرافق الدولة وخدماتها الملاحية والأرضية تخضع لرسوم تلك الخدمات، لأن هذه الرسوم ليست ضريبة بل مقابل خدمة. ولا يُعفى أي مشغّل من ذلك إلا باتفاق رسمي موثق. لذلك فإن أي حديث عن إعفاءات حالية يجب أن يستند إلى نص قانوني أو اتفاق ثنائي واضح، لا إلى افتراضات أو ممارسات سابقة.
رابعًا — شرط التشغيل تحت مظلة وطنية
من الإجراءات التنظيمية الرشيدة التي ينبغي تبنيها أن تشترط سلطة الطيران المدني السودانية على الطائرات المتعاقدة مع الأمم المتحدة للعمل داخل السودان أن تعمل:
• إما تحت مظلة شركة حاصلة على شهادة تشغيل سودانية،
• أو عبر شراكة تشغيلية مع مشغّل وطني معتمد.
وهذا ليس تعقيدًا إداريًا، بل إجراء سيادي وفني يحقق الرقابة، ويضمن الامتثال لمتطلبات السلامة والأمن، ويدعم الاقتصاد الوطني، ويمنع التشغيل الموازي خارج المنظومة التنظيمية.
خامسًا — المناولة الأرضية والاعتبارات الأمنية
إسناد خدمات المناولة الأرضية لمشغّل وطني معتمد يُعد ممارسة دولية شائعة، خاصة في الدول الخارجة من نزاعات، حيث تتقدم الاعتبارات السيادية والأمنية. ويمكن تضمين هذا الشرط ضمن تصاريح التشغيل والهبوط.
سادسًا — مسألة نقل الركاب مقابل مبالغ
إذا ثبت أن رحلات تحمل صفة إنسانية قد نقلت ركابًا بمقابل مالي، فذلك يستوجب تحقيقًا تنظيميًا، لأن الامتيازات الممنوحة للرحلات الإنسانية تُبنى على طبيعة مهمتها غير التجارية، وأي نشاط ربحي موازٍ يُعد إخلالًا بشرط الإعفاء أو التسهيل.
الخلاصة التنظيمية
العلاقة التشغيلية في هذه الحالة ثلاثية الأضلاع:
الدولة (منظّم) ← المشغّل الجوي (منفّذ) ← المنظمة الدولية (مستفيد).
وأي خلل في فهم هذه المعادلة يؤدي إلى قرارات غير دقيقة في الرسوم أو التصاريح أو الرقابة.
القاعدة التي ينبغي أن تحكم المرحلة المقبلة:
لا إعفاء إلا بنص، ولا امتياز إلا باتفاق، ولا تشغيل إلا بترخيص وطني.
إن إدارة هذا الملف بعقلية مهنية متوازنة — تجمع بين تسهيل العمل الإنساني وصون السيادة التشغيلية — كفيلة بأن تضمن للدولة حقوقها، وللمطارات مواردها، وللشركاء الدوليين ثقتهم، وهي المعادلة التي يجب أن تُبنى عليها سياسة الطيران في مرحلة ما بعد الحرب.



