حين ينفد الصبر… ماذا تبقّى لمنسوبي شركة مطارات السودان المحدودة؟

حين ينفد الصبر… ماذا تبقّى لمنسوبي شركة مطارات السودان المحدودة؟

أبو سليمان

لم تكن الوقفة الاحتجاجية التي نفذها عدد من منسوبي شركة مطارات السودان المحدودة حدثًا عابرًا يمكن المرور عليه مرور الكرام، بل كانت رسالة واضحة تكشف حجم الاحتقان الذي يتصاعد بصمت داخل أروقة هذه المؤسسة الحيوية. فحين يخرج العاملون للاحتجاج، فإن ذلك غالبًا لا يكون خيارهم الأول، بل آخر ما يلجؤون إليه بعد أن تضيق بهم السبل وتطول دائرة الانتظار دون حلول.

اللافت في المشهد أن رد الفعل الأول لم ينصب على معالجة الأسباب التي دفعت العاملين إلى الوقوف احتجاجًا، بل انصرف إلى الحديث عن مخالفة إجرائية تستوجب المساءلة. فقد أشارت النقابة إلى أن الإدارة العليا أبدت امتعاضها وغضبها من الوقفة، واعتبرتها خطوة مخالفة، وهو موقف قد يبدو للبعض محاولة لضبط المشهد، لكنه في نظر كثير من العاملين يعكس فجوة متزايدة بين معاناة القاعدة العمالية وطريقة التعامل معها.

النقابة من جهتها أكدت تدخلها لاحتواء الموقف وتهدئة الأجواء، مجددة التزامها بالمطالبة بحقوق العاملين عبر القنوات الرسمية، وداعية إلى مزيد من الصبر. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: كم مرة طُلب من العاملين الصبر؟ وإلى متى يمكن لهذا الصبر أن يستمر؟

العاملون الذين خرجوا في هذه الوقفة لم يفعلوا ذلك بدافع التصعيد من أجل التصعيد، بل نتيجة واقع معيشي وصفوه بالقاسي، يطاردهم داخل البلاد وخارجها. التزامات علاجية، أعباء تعليمية، وتكاليف حياة تتزايد يومًا بعد يوم، في وقت لم تتحقق فيه الوعود التي طُرحت لمعالجة أوضاعهم.

بل إن بعض العاملين يشيرون بوضوح إلى أن جزءًا من هذا الاحتقان يعود إلى تعهدات قُدمت خلال اجتماع عُقد في نوفمبر الماضي، ولم ترَ طريقها إلى التنفيذ حتى اليوم. والأسوأ من ذلك، بحسب رواياتهم، أن محضر ذلك الاجتماع لم يُوقع رسميًا حتى الآن، الأمر الذي يجعل تلك التعهدات أقرب إلى وعود شفاهية قد تضيع مع مرور الوقت، كما ضاعت وعود سابقة.

هذا الواقع دفع بعض الأصوات داخل القاعدة العمالية إلى طرح تساؤلات محرجة حول دور النقابة نفسها. فبينما يُفترض أن تكون النقابة خط الدفاع الأول عن حقوق العاملين، بدأ بعضهم يعبّر عن مخاوف من أن تكون أقرب إلى موقف الإدارة من موقف العاملين، خاصة في ظل بطء تنفيذ التعهدات وعدم ظهور نتائج ملموسة حتى الآن.

ولم يتوقف الأمر عند حدود الانتقاد، بل بدأ بعض العاملين يلوّح بإمكانية المطالبة بتغيير المكتب التنفيذي للنقابة إذا استمر الوضع على ما هو عليه، معتبرين أن النقابة التي لا تستطيع انتزاع حقوق منسوبيها تفقد تدريجيًا ثقة من تمثلهم.

ومع ذلك، يؤكد العاملون أن وقفتهم كانت سلمية بالكامل، وخالية من أي مظاهر للفوضى أو الإخلال بالنظام، إدراكًا منهم لحساسية المرحلة التي تمر بها البلاد. لكنهم في المقابل يبدون استغرابهم من استمرار ما يصفونه بسياسة التضييق على حرية التعبير عن الرأي، معتبرين أن المطالبة بالحقوق لا ينبغي أن تُقابل بالتهديد بالمحاسبة، بل بالحوار الجاد والمعالجة الحقيقية للأزمة.

إن ما يحدث اليوم داخل شركة مطارات السودان المحدودة ليس مجرد خلاف عابر بين إدارة وعاملين، بل مؤشر واضح على أزمة ثقة تتسع يومًا بعد يوم.

فالمؤسسات لا تستقر بالقوة الإدارية وحدها، ولا تُدار بالصبر المفتوح إلى ما لا نهاية، بل بالعدالة والوضوح والالتزام بالوعود.

ابوسليمان




مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.