أزمة منسوبي شركة المطارات ومعاشيي الطيران المدني: جرس إنذار يدعوا إلى إصلاح أعمق

أزمة منسوبي شركة المطارات ومعاشيي الطيران المدني: جرس إنذار يدعوا إلى إصلاح أعمق
بقلم: إبراهيم عدلان
المدير العام الأسبق لسلطة الطيران المدني
لم تعد أزمة مرتبات وحقوق العاملين في شركة مطارات السودان مجرد مسألة مالية عابرة يمكن تفسيرها بظروف الحرب وحدها. فالحرب، رغم قسوتها وتعطيلها لمعظم حركة الطيران، لم تفعل أكثر من أنها كشفت خللاً قديماً ظل يتراكم في بنية قطاع الطيران المدني حتى انفجر اليوم في وجه أضعف حلقاته: العاملون ومعاشيو هذا القطاع.
فهؤلاء الذين خدموا المطارات والطيران المدني لسنوات طويلة، سواء كانوا على رأس الخدمة أو في صفوف المعاشيين، لم يطلبوا امتيازات استثنائية، بل يطالبون فقط بحقوقهم المستحقة التي تمثل ثمرة سنوات من العمل والانضباط المهني في قطاع ظل لعقود أحد أكثر قطاعات الدولة انضباطاً وكفاءة.
غير أن ما يبدو اليوم كأزمة رواتب أو معاشات هو في الحقيقة عرض لخلل مؤسسي أعمق نشأ منذ سنوات عندما جرى الفصل العضوي بين مكونات منظومة الطيران المدني.
لقد تم ذلك الفصل بقدر كبير من الاندفاع، ودون تدرج طبيعي، وبفهم قاصر لطبيعة هذه المنظومة وتعقيداتها الاقتصادية والتشغيلية. فالطيران المدني ليس مجرد مؤسسات يمكن إعادة ترتيبها بقرار إداري سريع، بل هو نظام متكامل يقوم على ترابط عضوي بين ركائزه الأساسية: المطارات، وخدمات الملاحة الجوية، والجهة التنظيمية.
قد تسمح النماذج الحديثة بالفصل القانوني أو الإداري بين هذه المكونات، لكن هذا الفصل لا يعني أبداً قطع الروابط الاقتصادية والتشغيلية بينها. غير أن ما حدث في السودان كان أقرب إلى تفكيك اقتصادي مفاجئ لمنظومة مترابطة دون بناء نموذج تمويلي بديل قادر على حمل الأعباء الثقيلة للمطارات.
والمطارات بطبيعتها ليست شركات تجارية تقليدية تعتمد على إيرادات مباشرة تكفي لتغطية تكاليفها. إنها بنية تحتية سيادية عالية الكلفة، تقوم اقتصادياتها على الاستثمارات الضخمة في المدرجات والمنشآت والتجهيزات الفنية، بينما تظل عائداتها التشغيلية محدودة نسبياً. ولهذا تعتمد كثير من الدول على التكامل المالي بين خدمات الملاحة الجوية والمطارات للحفاظ على استدامة هذه المنظومة.
لكن حين يتم قطع هذا التكامل دون دراسة كافية، تظهر الفجوة سريعاً بين حجم الالتزامات المالية وبين مصادر الإيرادات المتاحة. وربما لم يكن هذا الخلل واضحاً في السنوات الأولى، لكنه كان كامناً ينتظر لحظة الأزمة.
ثم جاءت الحرب، فتوقفت حركة الطيران في معظم المطارات، وانكشفت الحقيقة دفعة واحدة: منظومة اقتصادية غير متوازنة، ومؤسسة تواجه التزامات ضخمة بموارد محدودة.
وهنا ظهرت أزمة المرتبات، وامتدت آثارها كذلك إلى معاشيي الطيران المدني الذين يجدون أنفسهم اليوم في مواجهة تأخر مستحقاتهم أو عدم انتظامها، رغم أنهم يمثلون جيلاً كاملاً أسهم في بناء هذا القطاع منذ سنواته الأولى.
إن المؤسسات الناجحة في العالم تدرك حقيقة بسيطة: أن الاستثمار الحقيقي يبدأ بالإنسان. فالمطارات لا تعمل بالخرسانة وحدها، ولا بأنظمة الملاحة فقط، بل بالكادر البشري الذي يدير هذه المنظومات المعقدة بكفاءة وانضباط.
ولهذا فإن المؤسسات الرصينة تحرص على ثلاثة أمور أساسية:
• تأهيل كوادرها بالتدريب المستمر.
• توفير المعينات المهنية اللازمة لأداء العمل.
• ضمان الاستقرار الوظيفي والعدالة في الحقوق، سواء للعاملين أو للمعاشيين الذين أفنوا أعمارهم في الخدمة.
فالعامل الذي يشعر بالإنصاف والاستقرار يصبح أكثر قدرة على العطاء، وأكثر ارتباطاً بمؤسسته. أما حين تصبح المرتبات والمعاشات غير مستقرة أو الحقوق مهددة، فإن ذلك لا يؤثر على الأفراد فحسب، بل يضعف المؤسسة كلها.
ومن هنا فإن معالجة أزمة منسوبي شركة المطارات ومعاشيي القطاع لا ينبغي أن تقتصر على دعم مالي مؤقت أو حلول إسعافية عاجلة، رغم ضرورتها الآن، بل يجب أن تكون مدخلاً لفتح نقاش مهني جاد حول مستقبل منظومة الطيران المدني في السودان.
لقد أصبح من الضروري إطلاق ورشة وطنية لإصلاح وتطوير هذه المنظومة، ورشة تقوم على التفكير العلمي والاحترافية المؤسسية، وتستفيد من الخبرات المتراكمة لرواد هذا القطاع، ومن التجارب الدولية التي نجحت في تحقيق التوازن بين الفصل المؤسسي والتكامل الاقتصادي.
فالهدف ليس فقط معالجة أزمة الرواتب والمعاشات الحالية، بل استعدال ما اعوج في بنية القطاع نفسه.
إن الطيران المدني ليس مجرد نشاط اقتصادي عابر، بل هو مرفق سيادي استراتيجي يربط البلاد بالعالم ويفتح أبواب التجارة والاستثمار والتنمية.
ولهذا فإن إصلاحه يتطلب شجاعة مؤسسية تعترف بالأخطاء وتعيد ترتيب البيت من الداخل.
فالمؤسسات القوية ليست تلك التي لا تخطئ، بل تلك التي تعترف بخطئها في الوقت المناسب وتصحح مسارها قبل أن تتحول الأخطاء إلى أزمات مزمنة.
واليوم تقف منظومة الطيران المدني السوداني أمام لحظة فاصلة؛
إما أن نستمر في إدارة الأزمات بالمسكنات،
أو أن نفتح باب الإصلاح الحقيقي.
فأزمة منسوبي شركة المطارات ومعاشيي الطيران المدني ليست مجرد مشكلة رواتب…
بل جرس إنذار يدعونا إلى إصلاح أعمق يعيد التوازن لمنظومة طيران مدني مزقتها قرارات متعجلة، ويعيد الاعتبار للإنسان الذي ظل دائماً عماد هذا القطاع وروحه الحقيقية.



