رئيس وزراء السودان يكتب للجزيرة: هذا مسار الخروج من أتون الحرب

سودافاكس – حينما زرت مجلس الأمن الدولي في ديسمبر/كانون الأول الماضي لتقديم رؤية حكومة الأمل للسلام في السودان، كنت أحدق في هذه الردهات التي خبرتها؛ بسبب عملي لسنوات طوال في الأمم المتحدة.
كان بالي مشغولا في اتجاه آخر إلى بلدي، حيث احتلت مخيلتي صورة أولئك البسطاء الذين شردتهم مليشيا الدعم السريع من قراهم ومزارعهم وبددت طمأنينة المدنيين في المدن، حينما نهبت أموالهم، وانتهكت أعراضهم، وبددت أحلامهم في الأمن والأمان.
كان يمكن لبلدي أن يتفكك ويمضي في اتجاه ريح التآمر لولا يقظة جيشنا الباسل والمسنود بالقوة المشتركة والمقاومة الشعبية.
ورغم تلك المرارات الثقال، كان علينا أن ننحت في الصخر ونجد لبلادنا مخرجا من الحرب، وفي تلك الأجواء قُدمت مبادرة حكومة الأمل للسلام في السودان والتي بنيت على جهد وطني خالص تكاملت فيه الأدوار وتلاقحت الأفكار وبنينا على السابق من المبادرات، وما زالت عقولنا وقلوبنا مفتوحة لمن يمد يده مسالما يبتغي رفعة الوطن وحماية وحدته وصيانة سيادته.
بنود مبادرة حكومة الأمل
مبادرة حكومة الأمل للتذكير- يا سادة وسيدات- دعت لوقف شامل لإطلاق النار تحت رقابة مشتركة من المؤسسات الدولية والإقليمية، مع تجميع عناصر المليشيا المتمردة في نقاط محددة ومتفق عليها، وتسهيل عودة النازحين واللاجئين لمناطقهم وبمحض إرادتهم، ويكون ذلك مصحوبا بتسهيل انسياب المساعدات الإنسانية للمحتاجين، وتقديم نموذج للعدالة الانتقالية يوازن بين مبدأ العفو والتسامح، مع عدم إفلات المتورطين في جرائم حرب من المساءلة.
نظرت مبادرة حكومة الأمل للسلام للمسار السياسي باستفاضة للوصول لحكومة منتخبة تعبر عن إرادة السودانيين، عقب حوار سوداني- سوداني يركز على مفهوم كيف يحكم السودان، ويصان التداول السلمي للسلطة، ويضع بلدي في المكان الصحيح بين الأمم المتقدمة، وهو المكان الذي يليق بوطني لولا الخلافات السياسية وجفاء النخب السياسية التي لم تسمع لإنسان السودان، ولم تعبر في كثير من الأحيان عن شواغله.
جذور الحرب والتدخلات الإقليمية
تضع بلادي اليوم قدمها على العام الرابع من الحرب المفروضة على شعبنا، حرب أشعلت شرارتها مليشيات الدعم السريع منذ خالفت تقاليد الجيش وقوانينه وتحركت لتحاصر مطار مدينة مروي في شمالي السودان في الثالث عشر من أبريل/نيسان 2023، وقبل ذلك نقلت عتادا ثقيلا من مناطق مختلفة وأتت به للخرطوم مع آلاف المقاتلين.
وما كان لهذه الحرب أن تبلغ عامها الرابع وتخلف كل تلك المآسي والخسائر لولا الدعم الإقليمي الكبير الذي جاء في إطار مؤامرة أشمل لنهب موارد السودان ومصادرة قراره الوطني.
من المؤسف أن يتجاهل ذلك عدد من الدول والهيئات الدولية، وتعقد اجتماعا في برلين في ذكرى مرور 3 سنوات على الحرب لمناقشة قضايا السودان في غياب الحكومة السودانية، وأصحاب المصلحة من المدنيين الذين دفعوا ثمن الحرب دما ومالا.
ما يخرج عن هذا الاجتماع لن يجد له مكانا إلا في أضابير الأرشيف، فالحكومة السودانية على كل مستوياتها منفتحة على سلام جاد يصون وحدة السودان ويحفظ كرامة جيشه ويداوي جراحات شعبه.
نحن منفتحون للدرجة التي يمكن أن نفتح فيها صفحة جديدة مع الذين عادَوا أهل السودان، بشرط أن يكفوا أذاهم عن شعبنا ويقروا بخطأ موقفهم، ويكونوا على استعداد للمساهمة في إعمار السودان وتعويض ضحايا الحرب.
رد الجميل
إن الحرب لم تكن خيارا مفضلا للحكومة السودانية، بل جاءت في إطار رد العدوان وقيام الجيش السوداني بواجبه الدستوري في حماية التراب السوداني، ومنع اختطاف الإرادة السودانية أو ارتهانها لقوى دولية وإقليمية.
إن الحرب التي تدور رحاها الآن في الشرق الأوسط والخليج العربي وتصل آثارها لكل أرجاء المعمورة يجب أن تذكرنا جميعا بأهمية السلام.
وعليّ أن أشدد على موقف حكومتي الذي أدان الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج والتي لم تكن جزءا من هذه الحرب، وقد عبرت حكوماتها صراحة عن رفضها أي حرب جديدة في هذه المنطقة الحيوية والقابلة للاشتعال.
لقد كانت دول الخليج العربي- إلا من تآمر- تقف بجانب الشعب السوداني في كل المنعطفات الحرجة، وقد جاء وقت رد الجميل لنقف بجانبهم في هذا التوقيت، ونسأل الله أن يحفظ هذه الدول وأهلها وأن تنعم كل المنطقة والإقليم بالسلام. نحن الذين اكتوينا بنار الحرب لن يسمح لنا ضميرنا الإنساني بالصمت تجاه حرب تشتعل ضد إخوتنا وأشقائنا.
مؤشرات التعافي الاقتصادي ومسيرة الإعمار
رغم أن الحرب في السودان قد تجاوز مداها حاجز الألف يوم بمائة يوم، فإننا اخترنا ألا نقف وننتظر توقف الحرب لنبدأ مسيرة الإعمار، ونحمل الآن معاول البناء بيد، والرصاص الذي يحمي أمتنا وشعبنا بيدنا الأخرى.
في ظل هذه الصعوبات بدأت مؤشرات التضخم في الانخفاض شهرا بعد شهر حتى وصلت في فبراير/شباط الماضي نحو 55%، علما بأن معدلات التضخم كانت قد وصلت 359% في العام 2021 ولم تكن هنالك حرب مفروضة ولا حصار جائر على الاقتصاد السوداني.
تمكنا في ظل هذه الصعوبات من رفع معدل إنتاج الذهب ليصل نحو سبعين طنا في العام كأعلى نسبة خلال سنوات الحرب. شرعنا في إعادة إعمار الخرطوم وضخ دم الحياة في شرايين العاصمة القومية، وهو جهد أقرت به الأمم المتحدة التي أعادت تسعة من هيئاتها ووكالاتها مقراتها للعاصمة، وقد مضت في ذات الاتجاه الكثير من البعثات الدبلوماسية المعتمدة بالسودان.
ملامح السودان الجديد
إعادة إعمار السودان ستكون على نسق جديد، لا نريد أن نعود لليوم الذي سبق الحرب بل نقفز إلى أعلى من ذلك لنستفيد من أخطاء الماضي. نوزع مواردنا بعدالة، وننمي مختلف أقاليم السودان ليتخصص كل إقليم في إنتاج ما يميزه عن الأقاليم الأخرى.
لدينا مصفوفة لتعافي الاقتصاد تخضع للدراسة والتحليل عبر الأجهزة المختصة ونتشاور فيها مع أصحاب المصلحة من رجال الأعمال والهيئات والنقابات والاتحادات وعموم المستهلكين. سنعمل عبر خطط إسعافية وأخرى طويلة المدى على تنمية بشرية تشمل كل أهل السودان، عنوانها “إنسان السودان أولا” وقبل كل حساب، وعمادها تعليم بأعلى المعايير.
أشعر الآن بالحزن لأن بعض أبنائي وبناتي من المناطق التي تتواجد بها المليشيات المسلحة لم يتمكنوا من اللحاق بامتحانات الشهادة الثانوية هذا العام؛ بسبب العوائق التي وضعتها مليشيا الدعم السريع، لكن أعاهد أبنائي وبناتي بالعمل الجاد على تعويضهم هذه الفرصة الضائعة متى ما تمكنوا من الوصول إلى المناطق الآمنة داخل أو خارج السودان.
رغم هذه الظروف الصعبة، نعمل على تطوير نظامنا الصحي لنبني مرافق صحية تسند الفقير ولا تجعل الغني يطرق المشافي الأجنبية، وقد تمكنا بفضل الله من تشغيل 80% من المؤسسات والمرافق الطبية التي تأثرت بالحرب المفروضة.
بناء المؤسسات والعلاقات الدولية
هم بناء مؤسسات الدولة ظل حاضرا، فالجيش السوداني الآن في أوج قوته وقد تمكن من تحرير مساحات واسعة من الأراضي التي كانت تنتشر فيها المليشيا المتمردة، ولن تتوقف مسيرة التحرير إلا أن يرفع العدو الراية البيضاء أو يمتثل لإرادة السلام المعلن عنها.
في مؤسساتنا العدلية يسير العمل بوتيرة جيدة، حيث تم اختيار رئيس للمحكمة الدستورية وجارٍ العمل على إكمال هياكلها بتأن وصبر. كما أن هنالك مشاورات واسعة في إطار علاقاتنا الخارجية، نمد أيادينا بيضاء من غير سوء للعدو والصديق، وللقريب والغريب، وللقاصي والداني.
إن بوصلة بعدنا وقربنا تعتمد على المصالح المشتركة بيننا والعالم، وإن همنا الآن يركز على تحرير أرضنا وشعبنا من المليشيات المتمردة لينتهي الأمر إلى سلام منصف، أو حرب تردع المعتدي ومن عاونه.
في هذا المنحى، نشكر الأشقاء في مصر الذين دعموا في وقت الشدة مؤسسات الشعب السوداني، وفتحوا قلوبهم وحدودهم للفارين من جحيم الحرب.
ويمتد تقديرنا لولي العهد السعودي سمو الأمير محمد بن سلمان الذي ظل مهتما بشواغل الشعب السوداني وداعما للسلام، وكذا الجهد القطري، والتركي، والكويتي في إيصال المساعدات الإنسانية بلا منّ ولا أذى، فكان لكل ذلك دور في صمود شعبنا أيام العسرة والشدة.
مضت ثلاثة أعوام على الحرب المفروضة على السودان، وتقترب حكومة الأمل المدنية من إطفاء شمعتها الأولى.
نعاهد شعبنا أن نكون عند حسن ظنه، نراجع أخطاءنا من غير وجل، ونبعد من لا يستطيع أن يتحمل المسؤولية أو من تحوم حوله شبهات الفساد، ونسند بكل حزم وعزم من يتطلع للبناء والتعمير وفق معايير الحكم الراشد.



