حين يُنجز برنامج “الإكسل” ما كان يستغرق أيامًا … كيف غيّرت التكنولوجيا وجه العمل في الخدمة المدنية؟

حين يُنجز برنامج “الإكسل” ما كان يستغرق أيامًا … كيف غيّرت التكنولوجيا وجه العمل في الخدمة المدنية؟
بقلم : مصطفى سليمان
لم يعد التقدم التكنولوجي مجرد رفاهية أو خيار إضافي في بيئات العمل، بل أصبح ضرورة تفرض نفسها بقوة، خاصة داخل مؤسسات الخدمة المدنية التي تتطلب الدقة والانضباط وسرعة الإنجاز. وخلال السنوات الأخيرة، أحدثت الوسائل الحديثة —من الحواسيب إلى البرمجيات المتخصصة وأنظمة الأرشفة الرقمية— نقلة نوعية في أساليب العمل، فاختصرت الزمن، ورفعت الكفاءة، وقلّصت هامش الخطأ إلى أدنى حد ممكن.
كيف تؤثر التكنولوجيا على حواسنا؟
في بداية مشواري المهني كمحاسب مالي بشركة مطارات السودان المحدودة – القابضة آنذاك – ، كان لدي شغف واضح بتوظيف التكنولوجيا، وتحديدًا برنامج Excel، في تحسين الأداء وتسهيل الإجراءات. ومن هنا جاءت فكرة تصميم قالب إلكتروني لإعداد موازنة البنك الشهرية، وهي مهمة دقيقة لا تحتمل أدنى نسبة خطأ.
لم تكن الفكرة محل ترحيب فوري، فقد بدت المخاوف واضحة على رئيسي المباشر، نظرًا لحساسية العمل المحاسبي. لكن مع الإصرار والالتزام، تمت الموافقة على التجربة بشرط مراجعة النتائج قبل اعتمادها.
بدأ العمل على القالب، وتم إدخال المعادلات الحسابية وفق الأسس المحاسبية المعتمدة. والنتيجة؟
إنجاز المهمة في وقت قياسي ، موازنة دقيقة بنسبة 100%، مع تطابق كامل بين أرصدة كشف البنك والدفاتر، دون أي هامش للخطأ ، وذلك بفضل الله عز وجل وحده .
وتم بعد ذلك إيكال مهمة إعداد موازنة البنك الشهرية لي بحمد الله تعالى حتى انتقلت من موقعي لموقع عمل آخر ، وقد واصلت في ذاك الموقع بنفس النمط في الاستفادة من كل ما يستجد في ساحة التكنلوجيا الحديثة .
إن نجاح التجربة لم يكن مجرد إنجاز شخصي، بل أصبح تحولا عمليا في أسلوب أداء المهمة، لتصبح التكنولوجيا جزءًا أصيلًا من سير العمل اليومي بالنسبة لي منذ ذلك الحين وحتى الآن .
هذا وقد أثبتت التجربة أن استخدام الأدوات التكنولوجية يسهم بشكل مباشر في تطوير الأداء الوظيفي، حيث يحقق:
* سرعة أكبر في إنجاز المهام مقارنة بالطرق التقليدية
* دقة عالية تقلل من الأخطاء البشرية
* جودة أفضل في تنظيم البيانات وعرضها
* سهولة في حفظ المعلومات واسترجاعها
* دعم فعّال لاتخاذ القرار من خلال التقارير والتحليلات الدقيقة
ومع اتساع نطاق التحول الرقمي، باتت المؤسسات التي تتبنى هذه الوسائل أكثر قدرة على التكيف مع متطلبات العصر وتحقيق كفاءة تشغيلية أعلى.
في ظل هذا التطور، يبرز تساؤل مشروع: هل يمكن أن تحل التكنولوجيا محل الإنسان؟
و الإجابة الواقعية تؤكد أن ذلك غير وارد. فالتكنولوجيا، مهما بلغت من تطور، تظل أداة بيد الإنسان، تعزز قدراته ولا تستبدله. فهناك أدوار لا يمكن للآلة أن تقوم بها، مثل التحليل المعمّق، واتخاذ القرارات المعقدة، والإشراف والتقييم.
كما أن الأنظمة الرقمية نفسها تحتاج إلى كوادر بشرية لإدارتها وتطويرها، بل وتفتح مجالات جديدة لوظائف تتطلب مهارات متقدمة، ما يجعل التحدي الحقيقي في مواكبة هذا التطور وليس مقاومته.
ختاما :
تؤكد التجارب العملية أن المبادرة في توظيف التكنولوجيا قادرة على إحداث فارق حقيقي في بيئة العمل، سواء من حيث الكفاءة أو جودة النتائج أو تعزيز الثقة بين الموظف والإدارة. وفي عالم يتجه بثبات نحو الرقمنة، يصبح التعلم المستمر وتطوير المهارات ضرورة لا غنى عنها.
فالتكنولوجيا لا تصنع التميز وحدها… بل يصنعه من يُحسن استخدامها …


