إعادة فتح المجال الجوي السوداني: بين منطق الإغلاق ومنهج إدارة المخاطر
إبراهيم عدلان
منذ اندلاع الحرب في السودان، أصبح إغلاق أجزاء واسعة من المجال الجوي أمراً مفهوماً في لحظته الأولى، باعتباره استجابة طارئة لحماية الأرواح وضمان سلامة الطيران المدني. غير أن ما يصلح كإجراء إسعافي في الأيام الأولى، لا يجوز أن يتحول إلى سياسة دائمة بلا مراجعة علمية أو تقييم مهني متجدد.
فالطيران المدني الحديث لا يُدار بمنطق الخوف، ولا بسياسة “أغلق كل شيء حتى إشعار آخر”، وإنما يُدار وفق منهج مؤسسي راسخ يعرف باسم تقييم المخاطر وإدارة المخاطر، وهو المنهج المعتمد لدى منظمة الطيران المدني الدولي، والسلطات الرقابية المحترفة، والدول التي واجهت نزاعات وحروباً ثم أعادت تشغيل أجوائها بصورة مدروسة.
الإغلاق الكامل ليس حلاً دائماً
من السهل إصدار قرار بالإغلاق الشامل، لكنه ليس دائماً القرار الأفضل. لأن استمرار الإغلاق لفترات طويلة يترتب عليه:
- خسارة رسوم عبور الطائرات فوق الأجواء السودانية
- تراجع الثقة الدولية في قدرات الدولة التنظيمية
- عزل السودان عن شبكات النقل الجوي الإقليمي والدولي
- إضعاف المطارات الوطنية وشركات الطيران المحلية
- انتقال مسارات العبور إلى دول منافسة
- خسارة كوادر فنية بسبب التجميد الطويل
والأخطر من ذلك أن الإغلاق غير المبني على مراجعة دورية قد يتحول من إجراء احترازي إلى عبء اقتصادي واستراتيجي.
ما هو البديل المهني؟
البديل ليس الفتح العشوائي، وليس المجازفة، بل الفتح المبني على تقييم المخاطر.
وهذا يعني ببساطة: تحديد الأخطار الفعلية، قياس احتمال وقوعها، تقدير آثارها، ثم اتخاذ تدابير تقللها إلى مستوى مقبول تشغيلياً.
فالسؤال الصحيح ليس:
هل انعدمت المخاطر تماماً؟
لأن هذا لا يحدث في أي دولة.
بل السؤال الصحيح هو:
هل أصبحت المخاطر تحت السيطرة ويمكن إدارتها وفق معايير الطيران الدولي؟
كيف يطبق ذلك في السودان؟
ينبغي إنشاء خلية وطنية مشتركة تضم:
- سلطة الطيران المدني
- مزود خدمات الملاحة الجوية
- الجهات العسكرية المختصة
- الأجهزة الأمنية
- إدارات المطارات
- شركات الطيران
- خبراء السلامة الجوية
- شركاء إقليميين عند الحاجة
وتقوم هذه الخلية بمراجعة الواقع الميداني بصورة مستمرة، وإصدار توصيات تشغيلية ديناميكية.
ما الذي يجب تقييمه؟
أولاً: المخاطر الأمنية
- مناطق الاشتباكات الفعلية
- مخاطر الصواريخ المحمولة
- نشاط الطائرات المسيّرة
- أمن محيط المطارات
ثانياً: الجاهزية الفنية
- صلاحية الرادارات
- كفاءة الاتصالات الجوية
- جاهزية المعينات الملاحية
- توفر الكهرباء الاحتياطية
- كفاءة أنظمة المراقبة الجوية
ثالثاً: العنصر البشري
- صلاحية تراخيص المراقبين الجويين
- التدريب التنشيطي بعد التوقف
- إدارة الإرهاق وساعات العمل
- الجاهزية للطوارئ
رابعاً: جاهزية المطارات
- حالة المدارج
- الإضاءة الأرضية
- الإطفاء والإنقاذ
- الوقود والخدمات الأرضية
- التفتيش الأمني
الفتح المرحلي هو الخيار الذكي
الدول المحترفة لا تفتح كل شيء دفعة واحدة. بل تعمل وفق مراحل:
- ممرات إنسانية
- عبور جوي على الارتفاعات العالية
- تشغيل قطاعات آمنة محددة
- إعادة بعض المطارات الرئيسية
- استعادة التشغيل الكامل تدريجياً
وهذا الأسلوب يمنح الثقة لشركات الطيران، ويُظهر جدية الدولة، ويقلل المخاطر التشغيلية.
ماذا تريد شركات الطيران العالمية؟
شركات الطيران لا تبحث عن التصريحات العاطفية، بل عن معلومات واضحة:
- هل المجال الجوي آمن؟
- هل هناك تقييم مخاطر منشور؟
- هل خدمات المراقبة الجوية مستقرة؟
- هل شركات التأمين موافقة؟
- ما هي المطارات البديلة؟
- كيف تُدار الأزمات عند الطوارئ؟
إذا توفرت هذه الإجابات بوضوح، تعود الحركة الجوية أسرع مما يتوقع كثيرون.
السودان يملك فرصة استراتيجية
الموقع الجغرافي للسودان من أهم مواقع الربط الجوي بين أفريقيا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وإغلاق هذا المجال لفترة طويلة ليس خسارة سودانية فقط، بل تعطيل لممر طبيعي مهم في شبكة الطيران الدولية.
ولهذا فإن استعادة الدور السوداني ليست ترفاً، بل ضرورة اقتصادية وسيادية ومهنية.
الخلاصة
إدارة الأجواء لا تكون بالشعارات، ولا بالخوف، ولا بالتردد المزمن. بل تكون بالعلم، والانضباط، والقرارات المبنية على البيانات.
السودان لا يحتاج إلى انتظار “اليوم المثالي” لإعادة فتح أجوائه، لأن ذلك اليوم قد لا يأتي قريباً. ما يحتاجه هو قرار مهني شجاع يقوم على تقييم المخاطر، وتطبيق إجراءات التخفيف، والبدء التدريجي المنظم.
فالسماء لا تعود بالكلمات… بل تعود بالكفاءة.
