مشكلة فقدان العفش في وإلى المطارات السودانية: نظرة عن قرب

مشكلة فقدان العفش في وإلى المطارات السودانية: نظرة عن قرب
إعداد:المركز السوداني لدراسات وأبحاث الطيران المدني
قراءة تشخيصية في الأسباب والواقع وفرص المعالجة
أصدر المركز السوداني لدراسات وأبحاث الطيران المدني هذه الورقة الاستقصائية في إطار متابعته للتحولات التشغيلية التي يشهدها قطاع النقل الجوي السوداني خلال مرحلة ما بعد الحرب، ورصده للقضايا ذات الصلة بتجربة المسافر وجودة الخدمات وكفاءة التشغيل. وتتناول هذه الورقة واحدة من أكثر القضايا تداولاً وسط المسافرين خلال الفترة الأخيرة: مشكلة فقدان الأمتعة وتأخرها أو وصولها بحالة غير مطابقة في الرحلات من وإلى المطارات السودانية.
سرقة وفقدان امتعة المسافرين .. مطار بورتسودان وشركات الطيران تحت المجهر
ورغم أن فقدان الأمتعة ليس ظاهرة سودانية خالصة، فإن تكرار الشكاوى واتساع نطاق الحديث عنها يثير أسئلة مشروعة تستوجب الدراسة والتقصي والتحليل.
من سير الأمتعة تبدأ الحكاية
في كل رحلة جوية هناك لحظة تتكرر في كل مطار بالعالم: لحظة انتظار وصول الأمتعة. يتجمع الركاب حول سير الحقائب، تبدأ الأمتعة في الظهور تباعاً، ثم يقل العدد تدريجياً حتى يتوقف السير تماماً. يغادر الجميع تقريباً، ويبقى عدد قليل من الركاب ينظرون إلى السير الفارغ في انتظار حقيبة لم تصل.
في تلك اللحظة تبدأ رحلة أخرى موازية لرحلة الطائرة نفسها: رحلة البحث عن حقيبة مفقودة، أو متأخرة، أو ربما وصلت إلى وجهة أخرى.
تضم صناعة الطيران العالمية سنوياً مليارات الحقائب، ورغم التطور الكبير في تقنيات التتبع والمناولة فإن ملايين الحقائب حول العالم تتعرض سنوياً للتأخير أو سوء المناولة أو الفقد المؤقت. إلا أن أغلب الحالات يتم العثور عليها لاحقاً عبر أنظمة تتبع متطورة وسلسلة تشغيل دقيقة.
في السودان، تبدو الصورة أكثر تعقيداً.
هل المشكلة في حجم الحركة الجوية؟
هذا هو السؤال الأكثر إثارة للاهتمام.
في العادة ترتبط مشكلات الأمتعة عالمياً بالمطارات ذات الكثافة التشغيلية العالية وكثرة الرحلات المحولة بين شركات مختلفة. لكن الحالة السودانية الحالية تبدو مختلفة تماماً.
فالسوق السوداني ما يزال يعمل بعدد محدود نسبياً من الناقلات الوطنية، أبرزها:
- Sudan Airways
- Tarco Aviation
- Badr Airlines
كما أن التدفق الكبير لشركات الطيران الأجنبية لم يعد إلى مستوياته السابقة بعد.
وهنا يظهر سؤال استقصائي بالغ الأهمية:
إذا كانت الحركة الجوية ما تزال محدودة نسبياً، فلماذا تتكرر شكاوى فقدان الأمتعة؟
إذا كانت المطارات لا تعمل تحت ضغوط حركة عالمية كثيفة، فإن تفسير المشكلة بالحجم وحده يصبح غير كافٍ.
الأمر يفتح الباب أمام فرضية مختلفة: المشكلة قد تكون في إدارة منظومة الأمتعة نفسها وليس في عدد الرحلات.
أين تبدأ رحلة الضياع؟
يرى مختصون في المناولة الأرضية أن الحقيبة لا تختفي فجأة، بل تمر عبر سلسلة طويلة من النقاط التشغيلية:
- استلام الحقيبة عند كاونتر السفر
- تصنيفها
- نقلها
- فحصها أمنياً
- تحميلها للطائرة
- تفريغها
- نقلها إلى صالة الوصول
- تسليمها للراكب
في الأنظمة الحديثة، يجري تسجيل كل مرحلة إلكترونياً.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه:
هل تعمل جميع مراحل هذه السلسلة في بيئة التشغيل السودانية الحالية بنفس مستوى التكامل المطلوب؟
فرضيات تستحق التحقيق
تشير هذه الورقة إلى عدة احتمالات تحتاج إلى مراجعة مهنية وفنية:
أولاً: ضعف سلسلة الحيازة (Chain of Custody)
من استلم الحقيبة؟
ومن سلّمها؟
وأين انتقلت بعد ذلك؟
في حال غياب سجل واضح لمسار الحقيبة تصبح عملية التتبع أكثر تعقيداً.
ثانياً: محدودية أنظمة التتبع
في كثير من مطارات العالم تخضع الحقيبة لمسح إلكتروني متكرر يسمح بتحديد موقعها في كل مرحلة.
أما في البيئات ذات الأنظمة المحدودة فقد تضيع الحقيبة إدارياً قبل أن تضيع مادياً.
ثالثاً: ظروف التشغيل الاستثنائية بعد الحرب
أدت الحرب إلى انتقال النشاط من المركز التشغيلي التقليدي وإعادة توزيع العمليات على مطارات أخرى.
هذه التحولات السريعة قد تؤثر على:
- كفاءة التخزين
- حركة النقل الأرضي
- القوى العاملة
- إجراءات المناولة
رابعاً: غياب المؤشرات المنشورة
حتى الآن لا توجد بيانات معلنة توضح:
- عدد بلاغات الأمتعة المفقودة
- نسبة استعادتها
- متوسط زمن المعالجة
- الجهات المسؤولة
وعندما تغيب الأرقام تصبح المشكلة أكبر من مجرد حقيبة مفقودة.
هل المشكلة تقنية أم إدارية؟
تشير خبرات صناعة الطيران إلى أن فقدان الأمتعة لا يكون غالباً نتيجة حادث منفرد، بل نتيجة تراكم خلل في منظومة التشغيل.
وقد تشمل الأسباب:
- أخطاء بطاقات الأمتعة
- قصور إجراءات التحويل
- ضعف التنسيق
- نقص الكوادر المدربة
- غياب الرقابة التشغيلية
- محدودية نظم المعلومات
لذلك قد تكون المشكلة إدارية بقدر ما هي تقنية.
توصيات المركز السوداني لدراسات وأبحاث الطيران المدني
يوصي المركز بحزمة إجراءات عاجلة تشمل:
- إنشاء قاعدة بيانات وطنية لبلاغات الأمتعة.
- إلزام شركات المناولة بمؤشرات أداء واضحة.
- تطبيق نظام تتبع إلكتروني للأمتعة.
- مراجعة سلسلة مناولة الحقائب كاملة.
- إخضاع الأداء لتدقيق دوري مستقل.
- نشر تقارير شهرية للشفافية.
- تدريب وإعادة تأهيل الكوادر العاملة بالمناولة الأرضية.
خاتمة
ترى هذه الورقة أن محدودية الحركة الجوية الحالية لا تمثل عائقاً، بل تمثل فرصة نادرة لمعالجة الخلل قبل عودة الحركة الجوية الكاملة وعودة الشركات الأجنبية إلى السوق السوداني.
ويبقى السؤال الذي يطرحه المركز:
إذا كانت الحقيبة تضيع في زمن التشغيل المحدود… فكيف سيكون الوضع عند عودة الذروة التشغيلية مستقبلاً؟
إن الأمتعة ليست مجرد حقائب؛ بل هي جزء من ثقة المسافر في منظومة الطيران بأكملها.


