رسوم العبور وأجور العاملين: هل نهرب من جوهر المشكلة؟

رسوم العبور وأجور العاملين: هل نهرب من جوهر المشكلة؟
إبراهيم عدلان
كتب الزميل الكريم بشير عبدالرحمن مقالًا وافيًا حول عودة الرحلات إلى مطار الخرطوم، وهو موضوع في غاية الأهمية باعتبار أن عودة الحركة الجوية ليست مجرد استئناف للرحلات، بل خطوة مرتبطة بإعادة بناء قطاع الطيران المدني السوداني بأكمله بعد ما أصابه من دمار وتعطيل.
الطيران المدني : النظام البائد تغول علي ايراداتنا لصالح (المؤتمر الوطني)
غير أنني توقفت عند نقطة وردت في متن المقال، وهي الدعوة إلى تصفير عداد رسوم العبور وزيادة نصيب شركة المطارات من عائدات تلك الرسوم. وهنا يبرز تساؤل مشروع يحتاج إلى نقاش موضوعي بعيدًا عن العاطفة أو الاصطفاف الإداري: ما هي أحقية شركة المطارات أصلًا في الحصول على جزء من ريع رسوم العبور؟
رسوم العبور الجوي لا تُفرض بصورة مجردة، بل هي مقابل لخدمات محددة تقدم للطائرات العابرة للأجواء، وتشمل خدمات الملاحة الجوية، والمراقبة الجوية، والاتصالات، والأرصاد، وإدارة المجال الجوي ومعيناته الأرضية. وهذه الخدمات تقدمها منظومة فنية وتشغيلية مرتبطة بإدارة الحركة الجوية والملاحة الجوية، وليس بشركة المطارات في مفهومها التشغيلي المعتاد.
فالطائرة العابرة للأجواء السودانية قد لا تهبط أصلًا في أي مطار سوداني، ولا تستخدم مدرجًا، ولا صالة ركاب، ولا خدمات أرضية، ولا مرافق تشغيلية تتبع لشركة المطارات. لذلك يصبح السؤال الطبيعي: ما هو الجزء من خدمة العبور الذي تقدمه شركة المطارات حتى تستحق عليه أجرًا؟
ثم إن شركة المطارات ليست جهة خيرية أو وحدة حكومية بلا موارد، بل هي شركة قائمة بذاتها، أنشئت لتحقيق أغراض اقتصادية وتشغيلية محددة، وتمارس أنشطة متعددة تحقق من خلالها إيرادات معتبرة عبر رسوم الهبوط والإيواء والخدمات والأنشطة الاستثمارية الأخرى. وبالتالي فإن المطالبة بمنحها موردًا إضافيًا ينبغي أن تستند إلى مبررات فنية واقتصادية واضحة.
وقد يقال إن الغرض من ذلك هو تحسين أجور العاملين أو توحيد شروط الخدمة، وهنا يجب التأكيد على أن هذه المطالب في حد ذاتها مطالب عادلة ومشروعة. فلا خلاف على حق العاملين في أجور منصفة وشروط خدمة مستقرة تحفظ كرامتهم المهنية وتحقق لهم الأمان الوظيفي.
لكن الإشكال يكمن في محاولة تغليف هذه المطالب المشروعة بطرح قضية اقتسام رسوم العبور، فذلك قد يؤدي إلى نقل النقاش من معالجة أصل المشكلة إلى البحث عن موارد جديدة خارج إطار الاختصاص.
فقضية تحسين أجور العاملين بالشركة لا تبدأ برسوم العبور، وإنما تبدأ من مراجعة الأساس القانوني والتنظيمي الذي يحكم أوضاع العاملين أنفسهم. فجوهر المسألة لا يبدو ماليًا فقط، بل يرتبط بالإطار القانوني الذي ينظم الخدمة.
ومن هنا قد يكون الأجدى إعادة العاملين إلى نظم ولوائح الخدمة المدنية بدلًا من استمرار خضوعهم لقانون العمل لسنة 2007 إذا كان ذلك قد أدى إلى تفاوت في شروط الخدمة والأجور وأوجد حالة من عدم الاتساق داخل قطاع حيوي مثل الطيران المدني.
والأولى بالمطالبة أن تتجه نحو توفيق الأوضاع لجميع العاملين بصورة شاملة، عبر مراجعة الهياكل الوظيفية والدرجات والامتيازات ومسارات الترقي والتأهيل، وصولًا إلى بناء نظام خدمة متوازن وعادل.
أما إذا كانت الشركة تواجه خسائر فعلية، فالأمر يحتاج إلى شفافية كاملة وطرح بيانات مالية واضحة. لأن أي شركة إذا أصبحت عاجزة بصورة مزمنة عن تحقيق أهدافها الاقتصادية أو التشغيلية، فإن القضية تصبح قضية إصلاح إداري ومؤسسي، لا قضية البحث عن مورد جديد لسد الاختلالات.
لكن المفارقة الكبرى هنا تبدأ من نقطة أخرى أكثر تعقيدًا وأهمية. فبموجب قانون الولاية على المال العام لسنة 2023 آلت رسوم العبور إلى وزارة المالية، وأصبح التصرف فيها يتم باعتبارها موردًا عامًا للدولة.
غير أن رسوم العبور، رغم كونها موردًا سياديًا من حيث التحصيل داخل حدود الدولة، ليست موردًا مطلق التصرف من الناحية الفنية والتنظيمية. فهناك سياسات ومبادئ دولية تحكم كيفية استخدام هذه الموارد وتوجيهها.
فوفق سياسات International Civil Aviation Organization الواردة في الوثيقة 9082 (Doc 9082) الخاصة بسياسات فرض الرسوم في المطارات وخدمات الملاحة الجوية، فإن الرسوم المفروضة على مستخدمي النقل الجوي ينبغي أن ترتبط بالخدمة المقدمة لهم، وأن تُستخدم لدعم استدامة وتطوير تلك الخدمات، لا أن تتحول إلى وعاء مالي عام يتم التصرف فيه بعيدًا عن أغراضه التشغيلية والفنية.
ومن هنا تظهر المفارقة الحقيقية: ففي الوقت الذي يدور فيه النقاش حول منح شركة المطارات جزءًا من رسوم العبور، فإن السؤال الأسبق والأهم هو: هل أصبح أصل المورد نفسه خارج دائرة الجهة الفنية التي أُنشئ لخدمتها؟
فإذا كانت موارد العبور قد انتقلت بالكامل إلى وزارة المالية بموجب قانون الولاية على المال العام، فإن القضية لم تعد قضية نصيب شركة المطارات من عدمه، بل أصبحت قضية أعمق تتعلق بكيفية المواءمة بين التشريعات الوطنية والسياسات الدولية الحاكمة لتمويل خدمات الملاحة الجوية والطيران المدني.
لذلك فإن محاولة إيجاد مبرر يمنح الشركة نصيبًا من رسوم العبور تبدو أقرب إلى الهروب من المشكلة إلى الأمام لا إلى معالجتها من جذورها. فالحقوق العادلة للعاملين لا ينبغي أن تُربط بإعادة توزيع موارد لا ترتبط بطبيعة الخدمة المقدمة، لأن ذلك قد يفتح الباب لخلط الاختصاصات وتشويه فلسفة إدارة موارد الطيران المدني نفسها.
إن القضية الحقيقية ليست: من أين نأتي بمورد إضافي؟ وإنما: كيف نبني مؤسساتنا على أسس قانونية وإدارية واقتصادية سليمة تحفظ الحقوق، وتحقق الكفاءة، وتضمن أن تظل موارد الطيران المدني تُدار وفق الغرض الذي أنشئت من أجله، لا أن تتحول إلى أدوات لمعالجة اختلالات أخرى خارج نطاقها.



