هل تعيق ذاكرة الحرب مستقبل الدرون المدني في السودان ؟

هل تعيق ذاكرة الحرب مستقبل الدرون المدني في السودان ؟
إبراهيم عدلان
مع التوسع الكبير في استخدام الطائرات المسيّرة خلال الحرب الدائرة في السودان، قد يواجه انتشار تطبيقاتها المدنية تحديات نفسية واجتماعية وقانونية معقدة. فبالنسبة لقطاع واسع من المواطنين، أصبحت المسيّرات مرتبطة بمشاهد الحرب والدمار أكثر من ارتباطها بالتقنية والتنمية، الأمر الذي قد يخلق حالة من التوجس تجاه استخدامها في الأنشطة المدنية حتى وإن كانت ذات فوائد اقتصادية واضحة.
بأمر الطوارئ الصحية.. مبررات وتفاصيل الإغلاق
غير أن الدرون اليوم أصبحت أداة عمل مهمة في مجالات المساحة ورسم الخرائط، ورش المبيدات والأسمدة الزراعية، وتنظيف المباني الشاهقة، وأعمال التعدين والاستكشاف، ومكافحة الجراد والطيور الضارة بالمحاصيل مثل الزرزور، فضلاً عن استخدامها في مراقبة البنية التحتية وإدارة الكوارث والبحث والإنقاذ.
ولذلك فإن تجاوز الحاجز النفسي الذي خلفته الحرب لا يتطلب فقط حملات توعية، بل يحتاج قبل كل شيء إلى فرشة قانونية واضحة وحاسمة تنظم هذا القطاع الناشئ. فالمواطن لن يطمئن إلى وجود المسيّرات في الأجواء ما لم يكن هناك إطار قانوني يحدد من يملك حق تشغيلها، وأين يمكن تشغيلها، وما هي الارتفاعات المسموح بها، وكيف تتم مراقبتها وتسجيلها، وما هي العقوبات المترتبة على إساءة استخدامها.
كما ينبغي أن تتضمن التشريعات تصنيفاً واضحاً للمسيّرات بحسب أوزانها واستخداماتها، مع الفصل الكامل بين التطبيقات المدنية والتطبيقات العسكرية والأمنية، ووضع آليات للترخيص والتدريب والتأمين والمسؤولية القانونية عن الأضرار التي قد تنتج عن التشغيل.
ومن المؤشرات الإيجابية أن سلطة الطيران المدني السوداني بدأت بالفعل في استشعار أهمية هذا القطاع الناشئ، ويبدو أنها شرعت في تضمين أحكام وفقرات خاصة بالطائرات المسيّرة ضمن أطرها التنظيمية ولوائحها الفنية. وتُعد هذه الخطوة ضرورية لمواكبة التطورات العالمية المتسارعة في مجال أنظمة الطائرات غير المأهولة، ولتهيئة البيئة القانونية التي تضمن الاستخدام الآمن والمنظم لهذه التقنية.
غير أن التحدي لا يكمن في إصدار اللوائح فحسب، بل في بناء منظومة متكاملة تشمل التسجيل والترخيص والتدريب والرقابة التشغيلية وتحديد مجالات الاستخدام، مع مراعاة الخصوصية الوطنية والظروف الأمنية التي أفرزتها الحرب. كما أن نجاح هذه المنظومة سيعتمد على مدى قدرتها على تحقيق التوازن بين تشجيع الاستثمار والابتكار من جهة، والحفاظ على السلامة والأمن من جهة أخرى.
ولعل السودان سيكون من الدول التي تحتاج إلى مقاربة خاصة في هذا المجال، لأن المسيّرات لم تدخل الوعي العام بوصفها أداة زراعية أو هندسية أو خدمية، بل دخلت أولاً من بوابة الصراع المسلح. ومن هنا تأتي أهمية الدور الذي يمكن أن تضطلع به سلطة الطيران المدني في إعادة تعريف هذه التقنية لدى المجتمع، عبر التشريعات الواضحة والتوعية المستمرة وإبراز التطبيقات التنموية التي يمكن أن تسهم في إعادة إعمار البلاد وتحريك عجلة الإنتاج.
إن بناء الثقة في الدرون لن يتحقق بالتكنولوجيا وحدها، بل عبر منظومة متكاملة من التشريع والرقابة والتوعية. وعندما يدرك المواطن أن هذه الطائرات تعمل وفق قواعد صارمة وتحت إشراف مؤسسي واضح، سيتحول النظر إليها تدريجياً من كونها أداة ارتبطت بالحرب إلى وسيلة حديثة تسهم في البناء والإنتاج وتحسين جودة الحياة.
فالتشريع في هذه الحالة ليس مجرد تنظيم لحركة طائرات صغيرة في الأجواء، بل هو أيضاً وسيلة لإعادة بناء الثقة بين المجتمع وتقنية ارتبطت في ذاكرته القريبة بسنوات الحرب أكثر مما ارتبطت بالتنمية والإنتاج. وربما يكون نجاح السودان في تنظيم الاستخدام المدني للمسيّرات أحد المؤشرات المهمة على قدرة البلاد على تحويل أدوات الصراع إلى أدوات للإعمار والتنمية والمستقبل.


