رسالة مفتوحة في بريد رئيس مجلس الوزراء..في شأن الطيران المدني وحقوق الركاب وجذور الخلل المؤسسي

رسالة مفتوحة في بريد رئيس مجلس الوزراء..في شأن الطيران المدني وحقوق الركاب وجذور الخلل المؤسسي

كتب: سامي محمد الأمين

سعادة السيد رئيس مجلس الوزراء،

تحيةً وبعد،

شاهدت الفيديو الخاص بزيارتكم الكريمة لمطار بورتسودان على إثر حادثة تأخر أمتعة الركاب، وقد بدا جليًا في المشهد أن توجيهاتكم المباشرة لشركات الطيران بضرورة معالجة المشكلة فورًا. ولا ريب أن الاهتمام الشخصي لرئيس الوزراء بشكوى المسافرين يعكس حرصًا صادقًا يُثمَّن ويُحترم. غير أن الواجب الوطني والأمانة المهنية يدفعاني — بوصفي خبيرًا في الطيران المدني والنقل الجوي الدولي — إلى أن أكتب إليكم هذه الرسالة، لا لأضيف توجيهًا على توجيه، بل لأضع بين أيديكم بعض الجذور العميقة لمشكلة تمتد أبعد بكثير من صالة مطار بورتسودان، وأعمق من قضية حقيبة تأخرت عن صاحبها.

أولًا: السودان والاتفاقية الدولية بخصوص مسؤولية الناقل الجوي

لعل من المناسب أن نُذكِّر بأن السودان دولة طرف في اتفاقية مونتريال لعام 1999 المتعلقة بتوحيد بعض قواعد النقل الجوي الدولي، وهي المعاهدة الدولية الأكثر شمولًا في منظومة حقوق الراكب على مستوى العالم. وتُلزم هذه الاتفاقية شركات الطيران بالتعويض عن تأخر الأمتعة وتلفها وفقدانها، وتحدد سقف التعويض بما يزيد على 1,288 حقًا خاصًا للسحب (ما يعادل نحو 1,700 دولار أمريكي) دون اشتراط إثبات الخطأ.

بيد أن مجرد التوقيع والتصديق على الاتفاقية لا يكفي، إذ يبقى التطبيق رهين المنظومة التشريعية الداخلية التي تُفعِّل أحكامها وتُيسِّر للراكب السوداني المطالبة بحقوقه. وهنا تحديدًا يقع الخلل الأول؛ فالسودان لم يُكمل بعد منظومته التشريعية والتنظيمية الكفيلة بتفعيل هذه الحقوق على أرض الواقع.

ثانيًا: ما الذي ينقص؟ — مقارنة مع دول الجوار

فإذا نظرنا إلى ما أنجزته المملكة العربية السعودية مثلًا، وجدنا أن الهيئة العامة للطيران المدني (GACA) أصدرت لائحة شاملة لحقوق المسافرين تُوجب على شركات الطيران نشر نماذج الشكاوى في المطارات وعلى المنصات الإلكترونية بصورة لا تُعقِّد على المسافر حق التقاضي، مع رقابة مستمرة من مفتشي الهيئة داخل صالات المطارات على مدار الساعة.

ولا تقتصر هذه الحقوق في النظام السعودي على ما تضمنته اتفاقية مونتريال، بل تمتد لتشمل حقوقًا إضافية لا تستوجبها الاتفاقية، كحق الركاب من ذوي الإعاقة في مساعدة مجانية منسقة، وحق الحوامل وكبار السن في الأولوية والرعاية، وحق الراكب في استرداد قيمة التذكرة كاملة عند الإلغاء المفاجئ، وضمانات رعاية الأطفال غير المصحوبين طوال رحلتهم، مع ملاحظة أن شركاتنا تنقل جثامين الموتى مجانًا، وهو أمر نتفرد به دون سوانا.

أما في إثيوبيا وكينيا، فقد أرست هيئتا الطيران المدني فيهما، على الرغم من محدودية الموارد، وحدات متخصصة داخل المطارات تتلقى شكاوى المسافرين وتُصدر قرارات أولية في غضون 72 ساعة. وفي دول أخرى تضمن هيئة الطيران المدني أن يجد الراكب على كل شاشة في المطار، وعلى كل موقع لكل شركة طيران، رابطًا مباشرًا لإجراءات التظلم والتعويض.

وما يستوجبه السودان على وجه السرعة لإكمال هذه المنظومة يشمل:

إصدار لائحة وطنية متكاملة لحقوق الراكب تتجاوز الحد الأدنى لاتفاقية مونتريال.
إنشاء آلية وطنية للبت في شكاوى الركاب بالتنسيق مع السلطة القضائية، توفيرًا للوقت وتيسيرًا للحقوق.
تطوير نظام رقمي بدعم ورعاية سلطة الطيران المدني لتتبع الأمتعة المتأخرة والمفقودة، يكون في متناول الراكب ومفتشي الطيران في آن واحد.
ثالثًا: إعادة تشكيل مجالس الإدارات بمهنية

سعادة رئيس الوزراء،

لقد قرأتم من ورقة مكتوبة. وهذا المشهد — رغم دلالته على الاهتمام — يكشف بجلاء عن غياب الأداة المؤسسية التي يُفترض أن تكون قد تحركت قبل أن يصل الأمر إلى رئيس الوزراء. وهذه الأداة هي مجلس الإدارة.

إن المتأمل في تشكيلة مجالس إدارات شركات المطارات وشركات الطيران الوطنية يجد أن غالبية أعضائها جاؤوا من خلفيات لا صلة لها بالطيران المدني، لا من حيث التخصص التقني، ولا من حيث الإلمام بالأطر القانونية الدولية أو الوطنية. فكيف لمجلس لا يعرف أعضاؤه الفرق بين الإطار الدولي لحقوق الراكب ومتطلبات إكماله محليًا أن يرصد الخلل ويُصدر توجيهات استباقية قبل وقوع الحوادث؟

إن المجلس الذي لا يمتلك أعضاؤه المعرفة التامة والمفصلة بالقطاع ليس مجلس إدارة بالمعنى الحقيقي، بل يمنح المديرين التنفيذيين سلطة غير مراقبة، ويمنح المؤسسة رقابة ظاهرية في غياب جوهرها. وقطعًا فإن هذا لا يعني انتقاصًا من خبراتهم وكفاءاتهم المقدرة والمعتبرة، والتي قد تكون نادرة، ولكن في مجالات أخرى.

رابعًا: قانون التعديلات المتنوعة لولاية وزارة المالية على المال العام وآثاره الكارثية

ثمة مأساة هيكلية صامتة لا يُتحدث عنها بما يكفي، وهي أن قانون التعديلات الذي أجرته وزارة المالية قد أفرغ القوانين المنشئة لسلطة الطيران المدني من أدوارها الحقيقية في تخصيص الموارد وتوجيهها. فباتت هذه المؤسسات عاجزة عن صرف إيراداتها الذاتية لتطوير قدراتها وتأهيل كوادرها وصيانة بنيتها التحتية إلا بعد استئذان وموافقة من وزارة المالية، التي قد لا تُدرك أولويات قطاع الطيران ولا خصائصه التشغيلية.

تصوروا أن مؤسسة تحقق إيرادات حقيقية من رسوم العبور والهبوط والخدمات الجوية، لا تستطيع صيانة جهاز ملاحة في مطار، ولا توفير بدلات للعاملين بنظام المناوبات الليلية، ولا رصد ميزانية لحضور اجتماع ICAO الإقليمي، إلا بعد دورة مراسلات طويلة قد تمتد لأيام أو أسابيع.

هذا ليس سوء إدارة، بل إعاقة مؤسسية مُقننة بنصوص قانونية. والنتيجة حتمية: مؤسسات ترى الخلل ولا تملك صلاحية علاجه، ومديرون يعرفون الحل ولا يملكون أدواته.

خامسًا: الرقابة الميدانية — غياب موثق له عنوان

لا يخفى على سعادتكم أن سلطة الطيران المدني، منذ تمرد مليشيا الدعم السريع، ظلت لسنوات تدير كامل أنشطتها بما لا يتجاوز ثمانية وثلاثين موظفًا، وهو رقم لو سمعه أي خبير دولي في الرقابة على أنشطة الطيران لاستعصى عليه تصديقه.

وقد زيد العدد لاحقًا، غير أن الزيادة لم تبلغ الحد الأدنى الذي يُمكِّن السلطة من توفير مفتشين ميدانيين يعملون على مدار أربعٍ وعشرين ساعة، سبعة أيام في الأسبوع، لمراقبة عمليات شركات الطيران في المطارات.

والأشد إيلامًا في هذا السياق أن المكتب الذي كان مخصصًا لمراقبة شركات الطيران في مطار بورتسودان قد تحول منذ أكثر من عامين إلى استراحة لنوم بعض الموظفين. فكيف يُوصف هذا المشهد؟ إنه ببساطة أن الفراغ الرقابي الذي نجم عن ذلك هو السبب الحقيقي لما شاهدتموه في زيارتكم.

فالمشكلة إذن ليست في شركات الطيران وحدها، بل في غياب الدور الرقابي المنظم الذي يجعل الالتزام خيارًا إلزاميًا لا طوعيًا.

سادسًا: خريطة الإصلاح الحقيقي — من الجذور لا من القمة

إن كانت الرسالة التي أخذتم بها إلى مطار بورتسودان تمثل رأس جبل الجليد، فإن الإصلاح الحقيقي يبدأ من قاعدته، وذلك وفق الخطوات الآتية:

١. إكمال المنظومة التشريعية لحقوق الراكب: إصدار لوائح وطنية شاملة تتجاوز اتفاقية مونتريال إلى المعايير التي أرستها الدول الرائدة، وتشمل الأمتعة والتأخير والإلغاء والرعاية الصحية والاحتياجات الخاصة، مع تبسيط إجراءات التظلم والتعويض.

٢. إعادة تشكيل مجالس الإدارات: اشتراط أن يكون لأغلبية أعضاء مجالس إدارات شركات المطارات وشركات الطيران خبرة موثقة في الطيران المدني أو النقل الجوي أو إدارة المطارات، مع إخضاع ترشيحات الأعضاء لتقييم فني مسبق.

٣. إلزام المديرين التنفيذيين بخطة استعادة شاملة: تكليف المديرين التنفيذيين في سلطة الطيران المدني وشركة المطارات بتقديم خطة مُلزِمة لاستعادة الطاقة الوظيفية الكاملة بجميع إداراتها الفنية، على أن يكون يناير 2027 الحد الأقصى لتحقيق ذلك، مع آلية رقابة ربع سنوية يُقدَّم تقريرها مباشرة إلى مجلس الوزراء.

٤. إعادة تأهيل بيئة العمل الميدانية: استعادة المكاتب الرقابية في المطارات وتجهيزها بالأدوات اللازمة، وضمان بيئة عمل لائقة للموظفين العاملين بنظام المناوبات، وإدراج ذلك في موازنة مخصصة لا تخضع للتجميد المالي.

٥. التثقيف والتدريب: تنظيم ورش دورية لكافة الجهات ذات الصلة — شركات الطيران والمطارات والجمارك والجوازات وغيرها — لتعريفهم بالاتفاقيات الدولية ومتطلباتها التطبيقية، وبناء ثقافة مؤسسية تضع حقوق الراكب في مقدمة الأولويات.

٦. تمكين الراكب من معرفة حقوقه: نشر ملصقات ونشرات في المطارات توضح حقوق الراكب وكيفية المطالبة بها باللغة العربية، والعمل على تطوير تطبيق موحد يشمل سلطة الطيران المدني وشركة المطارات وشركات الطيران، يتيح للراكب تتبع أمتعته المتأخرة أو المفقودة وتقديم شكاواه في الحين.

٧. معالجة السبب الحقيقي لظاهرة تأخر الأمتعة: ويبقى السبب الأهم والرئيسي للمشكلة، فلا يخفى على أحد أن كثيرًا من شركات الطيران تلجأ إلى تأخير الأمتعة كحل اضطراري حين تُضطر إلى زيادة حمولة الوقود تعويضًا عن غلائه في السودان. فمعالجة أزمة تسعير وقود الطائرات، ودعم شركات الطيران المحلية في هذا الجانب، وجعله في مستويات تنافسية، ليست ترفًا اقتصاديًا، بل شرطًا أساسيًا لضمان سلامة العمليات الجوية وانتظام الخدمة وحفظ حقوق الركاب.

٨. توفير الموارد لشركة المطارات: تمكين شركة المطارات من الحصول على مواردها الذاتية لصيانة المنشآت وتطوير الخدمات الأرضية، بما يضمن مستوى خدمة يليق بمسافري السودان ويوفر البيئة التشغيلية السليمة للشركات العاملة.

الخاتمة

سعادة رئيس الوزراء،

لو أن حقيبة تأخرت في مطار هيثرو أو فرانكفورت لما احتاج الأمر إلى زيارة رئيس وزراء؛ لأن المنظومة قائمة، والرقابة فاعلة، والقانون نافذ. وما نطمح إليه لبلادنا هو بالضبط هذا: مؤسسات تعمل دون الحاجة إلى تدخل استثنائي من رأس الدولة.

فحين تنضج المؤسسات، يتفرغ الساسة لوضع الاستراتيجيات ومراقبة تنفيذ الخطط، ويتفرغ التنفيذيون للإدارة، ويتفرغ المفتشون للرقابة، ويتفرغ الراكب للسفر دون قلق.

إن ما شهده مطار بورتسودان لم يكن حادثة أمتعة، بل كان رسالة صامتة تقول إن المنظومة مختلة وتحتاج إلى إعادة بناء، لا إلى ترميم موسمي. والفرصة اليوم سانحة لمن يقرأ الرسائل لا من فوق الأوراق، بل من خلف الأحداث.

وفي الختام، نؤكد أن جميع من يعمل في هذا القطاع أو يهتم بشؤونه يدرك أن الإرادة السياسية إذا توافرت، والقرار السليم إذا اتُّخذ، فإن نهضة الطيران المدني السوداني ليست حلمًا بعيد المنال، وأن هذا القطاع قادر على المساهمة في الدخل القومي بما يفوق عائدات البترول قبل الانفصال، ولا ينقصه سوى ترتيب الأولويات، وتوافر الإرادة السياسية، وتعيين الكفاءات.




مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.