عندما تدخل رئيس الوزراء .. أين كانت سلطة الطيران المدني؟

سودافاكس ـ أثار تدخل السيد رئيس مجلس الوزراء لمعالجة أزمة تأخر أمتعة الركاب بمطار بورتسودان ارتياحاً واسعاً وسط المواطنين، فهو يعكس اهتماماً مباشراً بمعاناة الناس وحرصاً على معالجة القصور في الخدمات.
لكن السؤال الأهم الذي يجب أن يُطرح لماذا اضطر رئيس الوزراء للتدخل أصلاً؟
في الدول التي تعمل فيها المؤسسات بكفاءة، لا تصل شكاوى الأمتعة المتأخرة إلى مكتب رئيس الوزراء، لأن هناك سلسلة من الجهات المختصة تتعامل معها قبل أن تتحول إلى أزمة رأي عام.
تبدأ المسئولية بشركات الطيران، ثم إدارة المطار و الجهات العاملة به، ثم سلطة الطيران المدني باعتبارها الجهة الرقابية المنوط بها حماية حقوق المسافرين و ضمان التزام المشغلين باللوائح و القوانين.
لقد أشار عدد من المختصين إلى وجود نقص في التشريعات واللوائح المحلية المتعلقة بحقوق الركاب، وهو حديث صحيح في جانب منه. لكن حتى القوانين واللوائح القائمة حالياً تحتاج إلى من يفعلها ويطبقها و يتابع تنفيذها.

رئيس الوزراء في المطار .. حين تتعثر السياسة في أبجديات الطيران .. التوجيه الذي لن يعيد حقيبةً ضائعة

فالمشكلة ليست دائماً في غياب النصوص، بل كثيراً ما تكون في غياب الرقابة والمحاسبة والمتابعة اليومية.
لقد ظل المواطنون يشكون لسنوات من تأخر الرحلات، وفقدان الأمتعة، و سوء الخدمات الأرضية، وضعف التواصل مع الركاب عند وقوع المشكلات.
كما تناولت الصحف ووسائل الإعلام هذه القضايا مراراً. فإذا كانت هذه الشكاوى معروفة ومتداولة، فأين كانت الأجهزة الرقابية؟ و هل احتاجت معاناة المسافرين إلى زيارة رئيس الوزراء حتى تصبح قضية تستحق المعالجة؟
إن جوهر عمل سلطة الطيران المدني لا يقتصر على إصدار التراخيص والموافقات الفنية، بل يمتد إلى الرقابة الميدانية المستمرة على أداء شركات الطيران والمطارات والتأكد من الالتزام بمعايير الخدمة وحقوق المسافرين.
و عندما تتكرر المشكلة نفسها لسنوات، فإن ذلك يطرح تساؤلات مشروعة حول فعالية أدوات الرقابة وآليات المتابعة.
و لا تقع المسئولية على سلطة الطيران المدني وحدها، بل تشمل جميع الأجهزة العاملة بالمطار. فالمطار منظومة متكاملة، وأي خلل فيها لا يمكن عزله عن بقية المكونات.
و عندما يتضرر الراكب، فإنه لا يهمه أي جهة أخطأت بقدر ما يهمه أن يجد خدمة محترمة وحقوقاً مصانة.
إن تدخل رئيس الوزراء يجب أن يُنظر إليه باعتباره جرس إنذار للمؤسسات المعنية، لا بديلاً عنها.
فنجاح الدولة لا يقاس بعدد المشكلات التي يتدخل لحلها كبار المسئولين، و إنما بقدرة المؤسسات على اكتشاف الخلل و معالجته قبل أن يصل إلى أعلى مستويات السلطة.

رسالة مفتوحة في بريد رئيس مجلس الوزراء..في شأن الطيران المدني وحقوق الركاب وجذور الخلل المؤسسي

نحن بحاجة إلى سلطة طيران مدني قوية وحاضرة في الميدان، وإلى إدارات مطارات وشركات طيران تتعامل مع المشكلات بروح استباقية لا بردود الأفعال. كما نحتاج إلى مؤشرات أداء واضحة، وتقارير رقابية دورية، ومساءلة حقيقية عند التقصير.
فالراكب السوداني لا يطالب بمعاملة استثنائية، بل يطالب بحقوق أساسية أصبحت أمراً بديهياً في معظم مطارات العالم رحلة منتظمة، و أمتعة تصل في موعدها، ومعلومات واضحة عند حدوث أي تأخير، وجهة مختصة تستمع إلى شكواه وتنصفه.
إن أزمة الأمتعة الأخيرة ليست المشكلة الحقيقية، وإنما هي عرض لمشكلة أكبر تتعلق بأداء المؤسسات الرقابية والتنفيذية. وإذا أردنا إصلاح قطاع الطيران المدني، فعلينا أن نبدأ من سؤال بسيط ومهم لماذا غابت الجهات المختصة حتى اضطر رئيس الوزراء إلى الحضور بنفسه؟
الإجابة الصادقة على هذا السؤال هي بداية الإصلاح الحقيقي.

طيران بلدنا

Exit mobile version