الخطوط الإثيوبية والسودان: بين مخاوف التحويلات وسيادة الدولة وحق المسافر

الخطوط الإثيوبية والسودان: بين مخاوف التحويلات وسيادة الدولة وحق المسافر

بقلم: إبراهيم عدلان

أثارت التطورات الأخيرة المتعلقة بمبيعات تذاكر الخطوط الإثيوبية في السودان نقاشاً واسعاً بين المهتمين بقطاع الطيران والاقتصاد، وانقسمت الآراء بين من يرى أن للشركة الحق الكامل في حماية عائداتها المالية، وبين من يرى أن فرض البيع بالدولار داخل السودان يمثل مساساً بالسيادة النقدية للدولة ويثقل كاهل المواطن.

ابراهيم عدلان: حول وصف شركة مطارات السودان المحدودة بالصفة التجارية

والحقيقة أن القضية أكثر تعقيداً من مجرد خلاف بين شركة طيران وسلطات الدولة، فهي نتاج ظروف اقتصادية استثنائية فرضتها الحرب وتداعياتها على الاقتصاد السوداني والجهاز المصرفي.

الحقائق التي لا يمكن تجاهلها

أولاً، تواجه الخطوط الإثيوبية، شأنها شأن العديد من شركات الطيران الأجنبية، مشكلة حقيقية تتمثل في صعوبة تحويل فوائض مبيعاتها من السودان إلى الخارج بالعملات الحرة.

ثانياً، لا يملك بنك السودان المركزي في الوقت الراهن القدرة الكاملة على الوفاء الفوري بجميع طلبات التحويل المتراكمة، وذلك لأسباب تتعلق بشح النقد الأجنبي والظروف الاقتصادية المعروفة للجميع.

ثالثاً، تخشى الخطوط الإثيوبية الاحتفاظ بأرصدة كبيرة بالجنيه السوداني بسبب مخاطر انخفاض قيمته بمرور الزمن، وهو تخوف تجاري مشروع من وجهة نظر أي شركة تعمل وفق أسس اقتصادية سليمة.

رابعاً، تمثل الخطوط الإثيوبية أكبر ناقل جوي أجنبي يخدم السودان حالياً، كما أنها تشكل منفذاً رئيسياً لربط السودان بالعالم الخارجي عبر شبكة واسعة من الوجهات الدولية.

المخاوف المشروعة للطرفين

من جانب الخطوط الإثيوبية، هناك خوف مشروع من تراكم أموال يصعب تحويلها إلى الخارج أو تتآكل قيمتها نتيجة تقلبات سعر الصرف.

أما من جانب الدولة السودانية، فهناك مخاوف لا تقل مشروعية تتمثل في أن يؤدي بيع التذاكر بالدولار النقدي داخل السودان إلى زيادة الطلب على العملات الأجنبية خارج النظام المصرفي الرسمي.

فالمسافر الذي لا يجد الدولار عبر القنوات الرسمية سيتجه تلقائياً إلى السوق الموازية للحصول عليه، الأمر الذي يؤدي إلى تنشيط تجارة العملة وزيادة الضغوط على سعر الصرف، وهو ما يتعارض مع أهداف السياسة النقدية للدولة.

كما أن إلزام المواطن بالدفع بالدولار في بلد عملته الرسمية هي الجنيه السوداني يثير تساؤلات تتعلق بالسيادة النقدية ومبدأ التعامل بالعملة الوطنية داخل حدود الدولة.

ما الذي يجب أن يفعله الطيران المدني؟

بدلاً من ترك الأزمة تتفاقم حتى تصل إلى مرحلة تقليص الرحلات أو توقفها، ينبغي على سلطة الطيران المدني أن تتعامل مع الخطوط الإثيوبية باعتبارها شريكاً استراتيجياً لا مجرد مستخدم للمطارات والمجال الجوي.

أولاً: اعتماد الدولار الحسابي

يمكن تثبيت قيمة فوائض المبيعات بالدولار الحسابي اعتباراً من تاريخ استحقاقها، بحيث لا تتحمل الشركة مخاطر انخفاض قيمة الجنيه السوداني، بينما يتم السداد الفعلي عند توفر النقد الأجنبي.

وهذا الحل يحفظ حقوق الشركة دون أن يفرض على المواطن شراء التذاكر بالدولار النقدي.

ثانياً: المقاصة وسداد بعض الرسوم بالعملة المحلية

يعد هذا الحل من أكثر الحلول واقعية وقابلية للتطبيق في الظروف الراهنة. فبدلاً من تراكم كامل فوائض المبيعات المطلوب تحويلها إلى الخارج، يمكن السماح باستخدام جزء من تلك الأرصدة في سداد رسوم العبور والخدمات الملاحية الجوية وبعض الالتزامات الحكومية الأخرى بالعملة المحلية.

ويستند هذا الحل إلى مبدأ المقاصة بين الحقوق والالتزامات، حيث تمتلك الشركة أموالاً مستحقة داخل السودان يصعب تحويلها في الوقت الحالي، وفي المقابل توجد رسوم وخدمات حكومية مطلوبة منها. ومن ثم فإن تسوية جزء من هذه الالتزامات محلياً يسهم في تقليل حجم المبالغ المطلوب تحويلها بالنقد الأجنبي.

وقد أثبتت التجربة السودانية نجاح مثل هذه المعالجات في السابق. ففي عام 2021 تم التوصل إلى ترتيبات عملية سمحت باستخدام جزء من المستحقات المحلية لتسوية التزامات مرتبطة برسوم العبور والخدمات الملاحية، الأمر الذي ساعد في المحافظة على استمرارية التشغيل وتجنب تصعيد الأزمة.

ثالثاً: جدول زمني للتحويلات

حتى إن تعذر التحويل الكامل، فإن وجود برنامج واضح لتحويل نسبة محددة من المستحقات بصورة دورية يمنح الشركات الثقة ويقلل حالة عدم اليقين.

فالمشكلة بالنسبة لشركات الطيران لا تكمن فقط في التأخير، وإنما في غياب رؤية واضحة لموعد استلام مستحقاتها.

رابعاً: حوافز تشغيلية مؤقتة

يمكن منح تسهيلات أو تخفيضات محددة في بعض الرسوم المرتبطة بالتشغيل مقابل استمرار الخدمة والمحافظة على عدد الرحلات.

خامساً: لجنة مشتركة دائمة

ينبغي إنشاء آلية تنسيق تضم بنك السودان ووزارة المالية وسلطة الطيران المدني وشركات الطيران الأجنبية لمتابعة ملف التحويلات بصورة مستمرة بدلاً من معالجة كل أزمة بصورة منفصلة.

الخيار الأفضل للجميع

إن الحل لا يكمن في إجبار الخطوط الإثيوبية على تحمل الخسائر، كما لا يكمن في دفع المواطنين نحو السوق الموازية للحصول على الدولار.

الحل الحقيقي يكمن في بناء تسوية متوازنة تعترف بالظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد وتحافظ في الوقت نفسه على حقوق الناقلات الجوية واستمرارية خدماتها.

لقد أثبتت التجارب أن شركات الطيران لا تغادر الأسواق بسبب الأزمات وحدها، بل بسبب غياب الحلول. وإذا استطاع السودان أن يقدم للخطوط الإثيوبية ضمانات معقولة وآليات عملية لحماية أموالها، فإن الشركة ستجد أن الاستمرار في خدمة السودان أكثر جدوى من مغادرته.

وفي النهاية، فإن المحافظة على أكبر ناقل أجنبي يعمل في البلاد ليست مصلحة للخطوط الإثيوبية وحدها، بل هي مصلحة وطنية تتعلق بحركة المواطنين والتجارة والاقتصاد وربط السودان بالعالم. والحكمة تقتضي البحث عن حلول مبتكرة ومرنة تراعي مصالح جميع الأطراف بدلاً من الانزلاق إلى تدابير متشددة لا رابح فيها .




مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.