مواعين إيرادية ضخمة.. لماذا تعاني شركة مطارات السودان من العجز؟

سودافاكس – تُعد المطارات الحديثة مؤسسات اقتصادية متكاملة، لا يقتصر دورها على استقبال وإقلاع الطائرات، وإنما تمثل مراكز استثمارية وخدمية تعتمد على منظومة مالية متشعبة تضمن استمرارية التشغيل وتطوير البنية التحتية وتحسين الخدمات المقدمة للمسافرين وشركات الطيران.
حين ينفد الصبر… ماذا تبقّى لمنسوبي شركة مطارات السودان المحدودة؟
وفي هذا السياق، تعتمد شركة مطارات السودان المحدودة على مصدرين رئيسيين للإيرادات، هما: الإيرادات الطيرانية والإيرادات غير الطيرانية، وهي مواعين مالية كفيلة ـ نظرياً ـ بتوفير موارد كبيرة تدعم استقرار الشركة وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها.
أولاً: الإيرادات الطيرانية : تمثل الإيرادات الطيرانية العمود الفقري لميزانية الشركة، وهي العوائد المرتبطة مباشرة بحركة الطائرات والركاب داخل المطارات، وتشمل عدة بنود رئيسية:
- رسوم الهبوط والخدمات المرتبطة بالطائرات : تُحصّل هذه الرسوم من شركات الطيران وفق لائحة مالية يجيزها مجلس إدارة الشركة، مقابل استخدام مرافق المطار والخدمات المقدمة للطائرات، ومن أبرزها:
رسوم هبوط الطائرات.
رسوم الملاحة الجوية.
رسوم وقوف الطائرات.
رسوم خدمات الأمن والسلامة.
رسوم استخدام سيارات الإطفاء عند طلبها أثناء عمليات التزود بالوقود.
رسوم الشحن الجوي ومناولة البضائع للرحلات المخصصة للشحن.
وتختلف قيمة هذه الرسوم باختلاف نوع الطائرة ووزنها وطبيعة عملياتها داخل المطار. كما أن جزءاً كبيراً من هذه الإيرادات يذهب إلى سلطة الطيران المدني، ولا يؤول بالكامل إلى شركة مطارات السودان المحدودة.
- رسوم مغادرة الركاب : تُفرض هذه الرسوم على كل مسافر مغادر عبر المطارات السودانية، ويتم تحصيلها ضمن قيمة تذكرة السفر بواسطة شركات الطيران، التي تقوم لاحقاً بتوريدها للشركة وفق اللوائح المالية المعمول بها. هذا ويُعد هذا البند من الإيرادات التي تؤول بالكامل إلى شركة مطارات السودان المحدودة.
رسوم نظام المغادرة الآلي (CUPPS) : وترتبط هذه الرسوم باستخدام النظام الإلكتروني الخاص بإنهاء إجراءات السفر وإصدار بطاقات الصعود إلى الطائرة.
وبحسب الترتيبات التشغيلية الحالية، يتم أولاً خصم تكاليف التشغيل والصيانة الخاصة بالنظام، ثم يُوزع صافي الإيراد بنسبة 40% للشركة المشغلة للنظام، مقابل 60% لشركة مطارات السودان المحدودة.
ثانياً: الإيرادات غير الطيرانية إلى جانب النشاط الجوي، تمتلك الشركة مصادر دخل استثمارية وتجارية متعددة، من أبرزها:
إيجارات المحلات التجارية والأسواق الحرة.
إيجارات المطاعم والكافتيريات.
تأجير المكاتب والمساحات الاستثمارية.
عائدات الإعلانات داخل المطارات.
رسوم مواقف السيارات.
استثمارات الأراضي والعقارات التابعة للمطارات.
الخدمات التجارية الأخرى. وتُعرف هذه الإيرادات عالمياً بأنها من أهم مؤشرات نجاح إدارات المطارات الحديثة، إذ تسهم في تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النشاط الطيراني وحده.
لكن ورغم تعدد هذه المواعين الإيرادية واتساعها، تشير إفادات متداولة وسط العاملين إلى أن الشركة تعاني من ضعف في موقفها المالي، وصل في بعض المراحل إلى حد العجز عن الوفاء ببعض التزاماتها الأساسية.
وبحسب تلك الإفادات، فإن أحد أبرز أسباب هذا الوضع يتمثل في عدم تحصيل المديونيات المستحقة على شركات الطيران.
وينعكس هذا الواقع بصورة مباشرة على أوضاع العاملين، الذين يشكون من تراجع الخدمات الطبية، وضعف المرتبات، وتأخر استحقاقات مالية عديدة، رغم أن المؤسسة تمتلك من الموارد النظرية ما يؤهلها لتجاوز هذه الأزمات.
إن هذه المفارقة تفتح الباب أمام عدد من التساؤلات المشروعة والمنطقية التي تستحق البحث والإجابة:
لماذا تعجز الشركة عن تحصيل هذه المبالغ الضخمة؟
وهل توجد معوقات إدارية أو تنظيمية تحول دون اتخاذ إجراءات فعالة للتحصيل؟
كما يبرز تساؤل آخر لا يقل أهمية: لماذا لا تُلزم هذه الشركات بالسداد وفق آليات واضحة تحفظ حقوق شركة مطارات السودان المحدودة؟ ولماذا تتراجع محاولات الإدارات المختصة بتحصيل الايرادات كلما اتجهت نحو تشديد إجراءات التحصيل؟
وكما هو واضحا فإن شركة المطارات لا تمارس ضغوط على الشركات المدينة والاكتفاء بوعودها بالسداد، رغم استمرار تراكم المديونيات شهرا بعد شهر .
كما تصبح الصورة أكثر إثارة للدهشة عندما يُتداول أن الشركة اضطرت إلى الاستدانة من وزارة المالية لسداد استحقاقات العاملين عن عامي 2024 و 2025 ، في الوقت الذي تمتلك فيه مديونيات على شركات الطيران، يقول مطلعون إنها تكفي ـ إذا تم تحصيلها كما ينبغي ـ لسداد جميع الالتزامات المالية تجاه العاملين والعملاء، مع تحقيق فائض يمكن أن يسهم في تحسين الوضع المالي وتطوير الخدمات.
خاتمة
في نهاية المطاف، لا تبدو أزمة شركة مطارات السودان المحدودة أزمة نقص موارد بقدر ما تبدو أزمة إدارة موارد وتحصيل مستحقات. فالمواعين الإيرادية موجودة ومتعددة، وحركة الطيران مستمرة، والأنشطة الاستثمارية قائمة، لكن السؤال الجوهري يظل قائماً: أين تذهب هذه الإيرادات؟ ولماذا لا تنعكس على أوضاع الشركة والعاملين بها؟
إن استمرار تراكم المديونيات دون حسم، وتدهور أوضاع العاملين، وتراجع بعض الخدمات الأساسية، كلها مؤشرات تستدعي وقفة جادة من الجهات الرقابية والتنفيذية، ليس فقط لمعرفة حجم المشكلة الحقيقي، بل لوضع معالجات عملية تضمن حماية المال العام وتعزيز الاستقرار المالي للمؤسسة.
ويبقى الملف مفتوحاً أمام إدارة الشركة ووزارة المالية والجهات المختصة لتقديم إجابات واضحة للرأي العام والعاملين، فالمطارات ليست مجرد منشآت خدمية، بل واجهة للدولة ومؤشر على كفاءة مؤسساتها وقدرتها على إدارة مواردها بكفاءة وشفافية.
وفي ظل التحديات التي تواجه قطاع الطيران السوداني، فإن إصلاح الوضع المالي لشركة مطارات السودان لم يعد خياراً، بل ضرورة تفرضها متطلبات التشغيل والتطوير وحفظ حقوق العاملين وضمان استمرارية الخدمات.



