نحو بناء نظام الإسلوت (Slot) بمطار الخرطوم على أسس علمية
بقلم:إبراهيم عدلان
مع اقتراب مرحلة إعادة تشغيل مطار الخرطوم الدولي بعد الحرب، تبرز أهمية التخطيط المبكر لإدارة الحركة الجوية والتشغيل الأرضي وفق منهج علمي حديث يواكب أفضل الممارسات العالمية. ومن أهم الأدوات التي ينبغي أن تحظى بالاهتمام منذ المراحل الأولى لإعادة البناء، نظام الإسلوت (Airport Slot System)، الذي يمثل العمود الفقري لتنظيم الرحلات الجوية وتوزيعها بما يتناسب مع السعة الحقيقية للمطار والمجال الجوي.
فالإسلوت ليس مجرد موعد تمنحه إدارة المطار لشركة طيران للإقلاع أو الهبوط، وإنما هو منظومة متكاملة لإدارة الموارد التشغيلية تشمل المدرجات، وممرات التاكسي، ومواقف الطائرات، والصالات، وخدمات المناولة الأرضية، والمجال الجوي، والمراقبة الجوية.
خصوصية مطار الخرطوم
يتميز مطار الخرطوم بخصوصية تشغيلية لا تتوافر في كثير من مطارات المنطقة، تتمثل في التأثير المباشر لدرجات الحرارة المرتفعة على أداء الطائرات، خاصة خلال أشهر يوليو وأغسطس وسبتمبر.
ففي هذه الفترة ترتفع درجات الحرارة إلى مستويات تؤثر على كثافة الهواء وأداء الطائرات أثناء الإقلاع، مما يدفع معظم شركات الطيران إلى تفضيل تشغيل رحلاتها خلال ساعات الليل والصباح الباكر. ونتيجة لذلك تتجمع نسبة كبيرة من الرحلات خلال فترة زمنية محدودة، بينما تنخفض الحركة بصورة واضحة خلال ساعات النهار.
وهذا الواقع التشغيلي يفرض على مخططي نظام الإسلوت عدم الاعتماد على السعة النظرية للمطار فقط، وإنما على السعة الفعلية خلال ساعات الذروة، وهي الساعات التي تشهد أكبر ضغط على المطار والمجال الجوي.
دراسة السعة قبل توزيع الإسلوت
قبل الشروع في توزيع الخانات الزمنية، ينبغي إعداد دراسة علمية شاملة للسعة التشغيلية تشمل:
- سعة المدرج وعدد الحركات الممكن استيعابها في الساعة.
- قدرة المجال الجوي ومراكز المراقبة الجوية.
- عدد مواقف الطائرات المتاحة.
- الطاقة الاستيعابية للصالات.
- قدرات المناولة الأرضية والتزويد بالوقود.
- الموارد البشرية العاملة بالمطار.
فأي نظام إسلوت لا يستند إلى دراسة سعة حقيقية سيتحول إلى مصدر دائم للازدحام والتأخير.
الإسلوت والمراقبة الجوية
لا يمكن تصميم نظام إسلوت ناجح دون مشاركة فعالة من إدارة الحركة الجوية والمراقبين الجويين.
فالمراقبة الجوية هي الجهة الأقدر على تقييم و يجب ان تمثل في لجنة التسهيلات لمعرفتها ب:
- معدلات الحركة الممكنة.
- نقاط الاختناق في المجال الجوي.
- تأثير الأحوال الجوية.
- احتياجات الفصل بين الطائرات.
- سعات صالات الوصول والمغادرة.
ومن هنا يجب أن يكون للمراقبة الجوية دور أساسي في لجنة الإسلوت إلى جانب إدارة المطار وسلطة الطيران المدني وشركات الطيران ومقدمي الخدمات الأرضية.
مراعاة نوع الطائرات
من الضروري أن يراعي نظام الإسلوت نوع الطائرة المستخدمة وليس عدد الرحلات فقط.
فالطائرات عريضة البدن تختلف عن الطائرات الإقليمية من حيث:
- زمن إشغال المدرج.
- احتياجات المواقف.
- متطلبات المناولة الأرضية.
- أعداد الركاب والأمتعة.
- الزمن اللازم للدوران الأرضي (Turnaround Time).
وبالتالي فإن تأثير كل رحلة على موارد المطار يختلف باختلاف نوع الطائرة المستخدمة.
ربط الإسلوت بمؤشرات الأداء التشغيلي
من المقترح أن يرتبط منح الخانات الزمنية بمؤشرات الأداء التشغيلي لشركات الطيران، وعلى رأسها مؤشر الالتزام بالمواعيد (On-Time Performance – OTP).
فالخانات الزمنية الليلية في مطار الخرطوم ستكون الأكثر طلباً والأعلى قيمة تشغيلية، ولذلك ينبغي أن تُمنح وفق معايير موضوعية تراعي:
- نسبة الالتزام بمواعيد الوصول.
- نسبة الالتزام بمواعيد المغادرة.
- عدد التأخيرات المتكررة.
- الالتزام بالخانات الزمنية الممنوحة.
- تأثير الشركة على انسياب الحركة بالمطار.
ويمكن أن يصبح الأداء التشغيلي الجيد أحد المعايير الرئيسية للحصول على أولوية في أوقات الذروة.
نظامان للإسلوت: صيفي وشتوي
من المهم ألا يعتمد مطار الخرطوم نظاماً ثابتاً للإسلوت طوال العام، بل ينبغي تطبيق جدولين موسميين يتوافقان مع الواقع التشغيلي.
الجدول الصيفي
يمتد عادة من أواخر مارس إلى أواخر أكتوبر، ويتميز بارتفاع درجات الحرارة وزيادة الطلب على الفترات الليلية.
وخلال هذه الفترة ينبغي:
- تشديد الرقابة على ساعات الذروة.
- إدارة السعة الليلية بحذر.
- مراجعة توزيع الرحلات بصورة دورية.
- إعطاء الأولوية للكفاءة التشغيلية.
الجدول الشتوي
يمتد عادة من أواخر أكتوبر إلى أواخر مارس.
وفي هذه الفترة تتحسن ظروف التشغيل وتنخفض درجات الحرارة، مما يتيح توزيعاً أكثر توازناً للرحلات بين ساعات النهار والليل، ويمنح إدارة المطار مرونة أكبر في تخصيص الخانات الزمنية.
نحو نظام رقمي متكامل
ينبغي أن يُبنى نظام الإسلوت الجديد منذ البداية على منصة إلكترونية حديثة ترتبط مستقبلاً مع:
- أنظمة خطط الطيران.
- أنظمة إدارة الحركة الجوية.
- إدارة المواقف.
- بيانات شركات الطيران.
- أنظمة متابعة الأداء التشغيلي.
مما يسمح بالمراقبة اللحظية للحركة الجوية وتحليل أسباب التأخير واتخاذ القرارات على أسس موضوعية.
فرصة لإعادة البناء بصورة أفضل
إن إعادة تشغيل مطار الخرطوم لا تعني العودة إلى ما كان عليه الوضع قبل الحرب، بل تمثل فرصة تاريخية لإعادة تصميم منظومة التشغيل وفق معايير حديثة تتناسب مع متطلبات المستقبل.
إن بناء نظام إسلوت علمي ومرن، يراعي خصوصية المناخ السوداني، وأنواع الطائرات، ومؤشرات الأداء التشغيلي، والفروق بين الجدولين الصيفي والشتوي، سيشكل أحد أهم عوامل نجاح مطار الخرطوم الجديد. فالمطارات الحديثة لا تقاس بعدد الرحلات التي تستقبلها فحسب، وإنما بقدرتها على إدارة تلك الرحلات بكفاءة وعدالة وسلامة وانسيابية، وهو الهدف الذي ينبغي أن يسعى إليه مطار الخرطوم في مرحلة ما بعد الحرب .
