تقرير لموقع أمريكي أمني: وقف الحرب في السودان مرهون باستهداف مصادر التمويل والتسليح الخارجية للمليشيا

“يمكن إيقاف الحرب في السودان وما يصاحبها من فظائع، لكن ذلك لن يتحقق إلا بتفكيك الشبكات الإقليمية ”

  • تقرير

سودافاكس – يشير عنوان هذا المقال “هل تحول السودان إلى سوق عابرة للحدود للعنف: الاستجابات الفعالة تتطلب استهداف المصادر:” الى الإمارات العربية المتحدة، التي يُفهم من المقال أنها متورطة بشكل مباشر وغير مباشر في تزويد الميليشيات السودانية بالأسلحة والدعم العسكري، خدمة لمصالحها الاقتصادية والجيوسياسية الراسخة، لتدفع مليشيا الدعم السريع إلى خوض حرب بالوكالة ليس فقط في السودان، بل أيضاً في اليمن وليبيا، وغيرها.

موقع “جست سكيورتي” (JUST SECURITY) هو موقع أمريكي متخصص في التحليل الأمني والقانوني، ومقره مركز ريس للقانون والأمن في كلية الحقوق بجامعة نيويورك.

وقد نشر الموقع هذا الأسبوع مقالاً بعنوان ” هل تحول السودان إلى سوق عابرة للحدود للعنف: الاستجابات الفعالة تتطلب استهداف المصادر “. و القارئ يجد انه ليس من المستغرب أن هذا المقال، المؤلف من خمس صفحات، والذي نشره الموقع الأكاديمي الأمريكي المستقل، قد ذكر مباشرة اسم دولة الإمارات العربية المتحدة 12 مرة في تعليقات واستشهادات تتعلق بشحن الأسلحة وتقديم الدعم العسكري للميليشيات السودانية، قوات الدعم السريع. كما استشهد بها جزئياً عشرات المرات على الأقل ذاكرا الإمارات، أو الشركات، أو المسؤولين الإماراتيين، أو عمليات التهريب الإماراتية، والاتهامات الموجهة للإمارات.

وكشفت المقالة لأول مرة عن امر يبدو غريبا وجديدا مفاده أن الإمارات قد تسعى لتخريب صفقات أسلحة تخص الجيش السوداني.

وجاء في المقالة: اثبتت الإمارات قدرتها على اعتراض وتخريب عمليات نقل اسلحة إلى السودان، عندما تكون وجهتها إلى القوات المسلحة السودانية.

وأشارت المقالة إلى أن الجهود الدبلوماسية التي تنظر إلى ما يحدث في السودان على أنه مجرد قتال بين القوات المسلحة السودانية وميليشيات الدعم السريع، متجاهلةً الجهات التي تدعمه، قد فشلت.

وحذرت من أن “السودان أصبح الآن ساحة معركة للقوى الأجنبية، حيث تتجلى التنافسات الإقليمية، والمنافسة الخليجية، والتوترات المصرية الإثيوبية، وأمن البحر الأحمر، جميعها على حساب المدنيين السودانيين”.

وجّهت المقالة التي شارك في كتابتها معتصم علي ويونا دايموند، ونُشرت في 15 يونيو 2026، تحذيراً شديد اللهجة مفاده أن الحرب في السودان، التي توصف غالباً بأنها حرب أهلية بين القوات المسلحة السودانية ومليشيا الدعم السريع، يجب أن يُنظر إليها على أنها مرتبطة بما يلي: إن معظم العوامل المؤثرة التي تُغذي الحرب تقع خارج حدود السودان، بدءاً من الدول الأجنبية ووصولاً إلى شركات الأمن الخاصة، وشبكات التهريب والاتجار بالبشر العابرة للحدود، والتي حوّلت السودان إلى ساحة للعنف.

وبعبارة ثانية “تسعى جهات أجنبية لتحقيق مصالحها من الخارج، بينما يتحمل الشعب السوداني تبعات الدمار”.

أكد التقرير على اهمية استهداف العقوبات لكبار المسؤولين الأجانب والشركات المتورطة في غسل الأموال وتهريب الأسلحة إلى السودان، في إشارة واضحة إلى الإمارات العربية المتحدة وشركاتها وبعض قياداتها.

وأوصى التقرير بأن تقوم المحكمة الجنائية الدولية ومكاتب الادعاء الوطنية بالتحقيق وإصدار مذكرات توقيف بحق موردي الأسلحة الأجانب والجهات الفاعلة التي تُمكّن الأطراف المتحاربة من ارتكاب فظائع متواصلة.

وقال التقرير: “يمكن إيقاف هذه الحرب، ولكن ذلك لن يتحقق إلا بتفكيك الشبكات الإقليمية”.

وأشار الكتّاب إلى التقرير الجديد الصادر عن منظمة هيومن رايتس ووتش، والذي يؤكد نتائج سابقة أيدتها منظمات استقصائية أخرى، من بينها “سنتري” و”كونفليكت إنسايتس”، مفادها أن عملية تزويد الإمارات العربية المتحدة لمليشيا الدعم السريع بالأسلحة والمرتزقة الكولومبيين “مرتبطة بأعلى مستويات حكومة الإمارات”.

وأكد المقال أن “مصالح أبوظبي في السودان تشمل، بحسب التقارير، طموحات لاستغلال موارد البلاد الطبيعية والوصول إلى ميناء البحر الأحمر”.

وذكر التقرير أن “مصالح أبوظبي في السودان تشمل، على ما يبدو، طموحات لاستغلال موارد البلاد الطبيعية والوصول إلى ميناء البحر الأحمر”. “تتتبّع تحركات المرتزقة العديد من خطوط إمداد الأسلحة الإماراتية الراسخة إلى دارفور، كما وثّق ذلك فريق خبراء الأمم المتحدة والمحققون الدوليون وأجهزة الاستخبارات، مما يُظهر مدى رسوخ هذه الشبكات الإجرامية.” هذا ما جاء في التقرير.

ويشير موقع “جست سكيورتي” إلى أن مليشيا الدعم السريع تلقت، طوال فترة الحرب، إمدادات مستمرة من الأسلحة من الإمارات، غالباً ما كانت تُنقل جواً بتكتيكات سرية، مثل الاختفاء من الرادارات أو عمليات الإقلاع غير المسجلة، لا سيما في الفترة التي تسبق الهجمات الكبرى وارتكاب او وقوع الفظائع.

وفي البداية، كانت شحنات الأسلحة الإماراتية تمر عبر تشاد، ولكن مع ازدياد التدقيق الدولي، تم تغيير مسارها تدريجياً وتنويعها عبر دول مجاورة أخرى للسودان.

“يرتبط العديد من نقاط العبور هذه أيضاً بتمويل إماراتي، أو يُقال إن مواطنين إماراتيين أنشأوها بالتنسيق مع السلطات الإقليمية.”

في المقابل، ومنذ بدء الحرب قبل أكثر من ثلاث سنوات، لم تقم الإمارات بالتحقيق في أي حالة ورغم وجود مئات الرحلات الجوية الموثقة لنقل الأسلحة إلى مليشيا الدعم السريع، والتي يُشتبه في نقلها أسلحة إلى هذه القوات في دارفور، إلا أن الإمارات العربية المتحدة لم تتهمها بذلك.

واتهمت الإمارات، بدلاً من ذلك، باستخدام رموز إنسانية للتغطية على شحنات الأسلحة والدعم العسكري المقدم لقوات الدعم السريع، وهي أفعال قد ترقى إلى جريمة حرب بموجب القانون الدولي (المادة 8 (2) (ب) (7) من نظام روما الأساسي).

ويُظهر تجميع الأدلة على نشر مرتزقة كولومبيين في دارفور، بما في ذلك عبر شركة أمنية خاصة مرتبطة بالأسرة الحاكمة في أبوظبي، على الأقل، “معرفة واضحة من جانب كبار قوات المسؤولين الإماراتيين. وفي دولة تتمتع بسلطة مركزية مغلظة كالإمارات، يُرجح أن تكون عملية تهريب الأسلحة والمرتزقة التي تدعم مليشيا الدعم السريع خطة وسياسة متعمدة”.

وكما ناقشت مقالة أخرى نُشرت مؤخراً على موقع “جست سكيورتي”، فإن تورط الإمارات في السودان يتعارض مع الصورة العالمية التي تسعى إلى إظهارها. بدلاً من الاستمرار على النهج المعتاد، ينبغي على الحكومات والجهات الفاعلة الخاصة استخدام جميع الوسائل العامة والقانونية والسياسية للضغط على الإمارات العربية المتحدة لوقف تسهيل العنف في السودان.

  • ساحة معركة للدول الأجنبية

يُعدّ هذا المقال، الذي يُمثّل إجماعاً واسعاً بين الأكاديميين الأمريكيين الذين يجمعون أدلةً تُشير إلى أن الإمارات العربية المتحدة هي المورّد الرئيسي للأسلحة التي تُؤجّج الحرب في السودان، دليلاً قاطعاً على أن المرتزقة الكولومبيين أصبحوا فاعلين رئيسيين في الحرب في السودان، حيث يتدربون ويقاتلون إلى جانب مليشيا الدعم السريع.

ونقل المقال عن تقرير لمنظمة هيومن رايتس ووتش يُبيّن أن المرتزقة الكولومبيين مُعفون من إجراءات الهجرة في الإمارات العربية المتحدة، وأنهم يحصلون على أولوية النقل إلى المنشآت العسكرية الإماراتية، حيث يتلقون تدريباً مكثفاً على يد مواطنين إماراتيين.

بل إن أحد المرتزقة الكولومبيين ذكر اجتماعاً مع مسؤولين إماراتيين رفيعي المستوى، كان فيه “للمواطنين الإماراتيين الكلمة الفصل”.

  • حرب بالوكالة في دارفور

يُعدّ استخدام الوكلاء لارتكاب الفظائع في دارفور استراتيجية راسخة لدى جهات فاعلة نافذة بعيدة كل البعد عن هذه المنطقة الغنية بالذهب، بهدف زعزعة استقرارها وتشريد سكانها واستخراج معادنها بطرق غير مشروعة.

وضعت المقالة الميليشيا في سياقها الصحيح حين أشارت إلى أن قوات الدعم السريع نفسها جماعة شبه عسكرية انبثقت من ميليشيات الجنجويد الوحشية التي نشرها نظام عمر البشير في دارفور لتفويض أعمال العنف ضد المجتمعات غير العربية. وأضافت أن هذا النموذج قد امتدّ إلى ما وراء حدود السودان مع مرور الوقت.

كما تمّ نشر مليشيا الدعم السريع في ليبيا لدعم اللواء الليبي خليفة حفتر، بدعم عسكري ومالي من الإمارات.

وذكرت المقالة أن “الإمارات تنفي مزاعم دعمها لقوات الدعم السريع، على الرغم من الأدلة الدامغة”.

ويرى الكتّاب أن مسار مليشيا الدعم السريع يُظهر أنها قوة مدفوعة بالربح.

واتهمت المقالة قادة مليشيا الدعم السريع بالعمل ضمن سوق عنف عابرة للحدود قبل اندلاع الحرب الحالية في السودان بفترة طويلة. وزعمت أن كلا الجانبين متورطان الآن في منظومة إقليمية للرعاية والتنافس.

وأشارت إلى أنه طوال عام 2025، رصد مرتزقة أجانب في دارفور يدعمون بشكل مباشر هجمات مليشيا الدعم السريع وفظائعها في شمال دارفور، بما في ذلك تدريب الأطفال على القتال، وتشغيل الطائرات المسيّرة، وإطلاق قذائف الهاون.

كما يشير تقرير هيومن رايتس ووتش الجديد إلى تورط مرتزقة في عملية الاستيلاء على مدينة الفاشر في أكتوبر/ 2025، والتي خلصت بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق إلى أنها تحمل سمات الإبادة الجماعية، حيث رُصد وجود مرتزقة في مواقع المجازر، بما في ذلك الخنادق المحيطة بالمدينة.

جادلت المقالة بأن “التدخل الخارجي في السودان قائم على اقتصاد استخراجي غير مشروع ضخم يُغذي الصراع، ويزدهر في مناطق خارجة عن سيطرة الدولة مثل دارفور وكردفان والنيل الأزرق، حيث غابت سلطة الدولة لفترة طويلة.

وتُعدّ هذه الحرب مربحة لجميع الأطراف المعنية، إذ تُتيح الوصول إلى الذهب والصمغ العربي وعائدات التهريب، فضلاً عن النفوذ الجيوسياسي”.

وأشارت إلى أن هذا التربح هو السبب وراء فشل الجهود الدبلوماسية التي تنظر إلى هذه الحرب على أنها مجرد صراع ثنائي بين القوات المسلحة السودانية ومليشيا الدعم السريع، متجاهلةً الجهات التي تُغذيه.

  • التوصيات

أكدت المقالة أنه لإنهاء الفظائع وكبح جماح العنف ومنع انتشاره إلى جيران السودان، ينبغي على الدبلوماسيين وصناع السياسات والممارسين القانونيين النظر في التوصيات التالية التي تُركز على وقف إطلاق النار على نطاق محلي وتفكيك الشبكات الخارجية التي تُمكّن من ارتكاب هذه الفظائع.

  • أولاً، يجب ألا تقتصر العقوبات المُوجّهة على مرتكبي هذه الفظائع في السودان فحسب، بل يجب أن تستهدف أيضاً كبار المسؤولين الأجانب والشركات المتورطة في غسل الأموال وتهريب الأسلحة إلى الخارج.

ثانيًا، يجب على الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية وجامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي إعطاء الأولوية لوقف إطلاق النار على المستوى المحلي كشرط أساسي لعملية السلام التي تتطلب ذلك.

ثالثًا، ينبغي للدول السعي إلى ضمان الوصول والرقابة الدولية من خلال آلية مراقبة الحظر على النقاط الرئيسية ضمن خط إمداد لمليشيا الدعم السريع، وهي المطارات ومعسكرات التدريب والقواعد العسكرية ونقاط العبور.

رابعًا، ينبغي للمحكمة الجنائية الدولية ومكاتب المدعين العامين الوطنيين التحقيق مع موردي الأسلحة الأجانب والجهات الفاعلة التي تمكّن الأطراف المتحاربة من ارتكاب فظائع متواصلة، وإصدار أوامر اعتقال بحقهم.

توفر المادة 25 (3) (ج) و(د) من نظام روما الأساسي أساسًا واضحًا لمحاكمة الرعايا الأجانب الذين يقدمون العون والتحريض والمساعدة والمساهمة في جرائم الفظائع في دارفور.

أخيرًا، لا ينبغي إعفاء الدول التي تنتهك المعاهدات الدولية علنًا من التدقيق أمام محكمة العدل الدولية.

مع أن دعوى السودان ضد الإمارات العربية المتحدة لانتهاكات اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها قد رُفضت قبل بدء الإجراءات (لأسباب إجرائية)، إلا أن هناك مسارات بديلة لإعادة فتح الدعوى.

ويقول الكاتبان انه وباختصار، فان حرب السودان تُجسّد صورة الحرب الحديثة عندما تُوكل الدول والجهات الفاعلة القوية العنف إلى المرتزقة والوكلاء والشبكات العابرة للحدود.

إنها حربٌ تحركها المصالح والربح والإفلات من العقاب والاعتبارات الجيوسياسية، حيث تقود جهات خارجية فظائع مستمرة، مما يستدعي ردود فعل مُصممة خصيصًا لها.

وتختم المقالة بادعاء قوي مفاده :”يمكن إيقاف هذه الحرب وما يصاحبها من فظائع، لكن ذلك لن يتحقق إلا بتفكيك الشبكات الإقليمية.”




مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.