إصلاح الخدمة المدنية بين الاشاعة واليقين ..قراءة في واقع السودان… شركة المطارات نموذجا

إصلاح الخدمة المدنية بين الاشاعة واليقين ..قراءة في واقع السودان… شركة المطارات نموذجا
كتب :إبراهيم عدلان
في خضم الحديث المتصاعد عن توجه حكومة الأمل نحو إعادة هيكلة الخدمة المدنية وتقليص أعداد العاملين تحت شعار الإصلاح الإداري، تبرز أسئلة مشروعة لا يجوز تجاوزها، خاصة في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.
سلطة الطيران المدني تنفي ما يشاع عن مهددات تواجه صناعة الطيران
فلا أحد يختلف حول ضرورة إصلاح الخدمة المدنية، فهي مطلب وطني تأخر كثيرًا، والإدارة الرشيدة تقوم على الكفاءة والشفافية والمحاسبة، لا على الترهل والبيروقراطية. لكن الإصلاح الحقيقي له توقيته، وأدواته، وأهدافه، ولا يمكن أن يتحول إلى وسيلة لإفراغ مؤسسات الدولة من كوادرها في وقت هي أحوج ما تكون إليها.
السودان اليوم ليس في ظرف طبيعي. فالحرب خلفت دمارًا واسعًا، وشردت الملايين، وأرهقت الاقتصاد، ورفعت معدلات البطالة والفقر، بينما تستعد الدولة لمرحلة إعادة الإعمار التي تحتاج إلى كل الخبرات الوطنية، لا إلى الاستغناء عنها.
ويزداد الأمر تعقيدًا إذا علمنا أن الحكومة نفسها تعمل في ظل وضع انتقالي، وفي غياب مجلس تشريعي يمارس دوره في الرقابة وسن التشريعات، الأمر الذي يفتح الباب أمام تساؤلات قانونية حول الأساس الذي ستستند إليه أي عملية واسعة لإنهاء خدمة العاملين أو تقليص الخدمة المدنية، ومدى توافق ذلك مع القوانين النافذة والحقوق المكتسبة.
وإذا انتقلنا إلى قطاع الطيران المدني، نجد أن الصورة أكثر حساسية. فهذا القطاع كان من أكثر القطاعات تضررًا بالحرب، وهو اليوم يمثل أحد مفاتيح تعافي الاقتصاد السوداني وعودة الاستثمار والانفتاح على العالم الخارجي. ولذلك فإن الأولوية يجب أن تكون لإعادة بناء المؤسسات والمحافظة على كوادرها المؤهلة، لا فقدانها.
وتبرز شركة مطارات السودان المحدودة بوصفها نموذجًا حيًا لهذه الأزمة.
فالعاملون بالشركة يعيشون منذ سنوات حالة من المطالبة باستحقاقات مالية ووظيفية يرون أنها حقوق أصيلة، بينما تبرر الإدارة عدم الإيفاء بها بضعف الإيرادات وانكماش حجم التشغيل نتيجة للحرب.
لكن هذا التبرير يثير بدوره أسئلة مشروعة. فإذا كانت الموارد غير كافية، فمن حق العاملين والرأي العام أن يطلعوا على حقيقة الوضع المالي للشركة من خلال نشر الميزانيات السنوية والحسابات الختامية، وبيان الإيرادات المتحصلة من تشغيل المطارات ورسوم الخدمات المختلفة، حتى يكون الجميع على بينة من الواقع.
ولعل الشركة نفسها وجدت نفسها، من حيث لا تدري، في مأزق فرضته سياسة غياب الشفافية. فحين بررت عجزها عن الوفاء باستحقاقات العاملين بشح الموارد المالية وتراجع التشغيل بسبب الحرب، فإنها قدمت مبررًا قد يكون صحيحًا، لكنه قد يضعها في مواجهة تصنيفات لجان إعادة هيكلة القطاع العام التي تتداول تقسيم المؤسسات إلى جهات مدعومة، وأخرى متعثرة، وثالثة خاسرة تستوجب تقليص العمالة أو إعادة هيكلتها.
وهنا تكمن المفارقة؛ فالشركة التي أرادت أن تبرر موقفها أمام منسوبيها، قد تجد نفسها مطالبة بإثبات أنها ليست مؤسسة خاسرة، وإنما مؤسسة استراتيجية أصابها ما أصاب الدولة كلها من آثار الحرب. ولن يتحقق ذلك إلا بالشفافية الكاملة، والإفصاح عن حقيقة أوضاعها المالية، وحجم خسائرها، وحجم إيراداتها، وأثر الحرب على نشاطها، حتى يكون تقييمها قائمًا على الوقائع لا على الانطباعات.
فهل ستكون إدارة الشركة قادرة على انتهاج هذا النهج؟ وهل ستفتح دفاترها للرأي العام والعاملين، أم سيظل الغموض سيد الموقف، بما يترك المجال واسعًا أمام الشائعات والتأويلات؟
ولعل أخطر ما تعيشه الشركة اليوم ليس الأزمة المالية وحدها، وإنما أزمة الثقة بين الإدارة والعاملين.
فعندما تنعدم الثقة، ويغيب التواصل المؤسسي، وتغلق أبواب الحوار، ولا تصدر بيانات رسمية توضح الحقائق، تصبح الإشاعة هي المصدر الوحيد للمعلومات، فتنتشر بسرعة، وتزرع الرعب في نفوس العاملين.
ومعظم هؤلاء العاملين لم يأتوا إلى هذه المرحلة وهم في ظروف طبيعية؛ فقد فقد كثير منهم منازلهم بسبب الحرب، ونزحوا إلى مناطق أخرى، وتحملوا أعباءً معيشية ونفسية قاسية، ثم وجدوا أنفسهم أمام مستقبل وظيفي غامض، وأحاديث متزايدة عن إعادة الهيكلة وتقليص العمالة، دون أن يجدوا جهة رسمية تطمئنهم أو توضح لهم الحقيقة.
ولأن باب التواصل مع الإدارة مغلق تمامًا، فلا لقاءات دورية، ولا بيانات توضيحية، ولا قنوات للإجابة عن تساؤلات العاملين، فقد أصبح الصمت الإداري بيئة خصبة للإشاعات، وأصبح كل خبر متداول، مهما كان مصدره، كافيًا لإثارة الخوف والقلق داخل المؤسسة.
إن التحفيز الوظيفي (Motivation) وتحقيق الرضا الوظيفي أصبحا من أهم أضلاع الإدارة الحديثة، لما لهما من أثر مباشر في رفع الإنتاجية وتعزيز الانتماء المؤسسي. أما أن يعيش الموظف في ظلام من الغموض، وشحّ المعلومات، وانعدام التواصل، فإن ذلك لا ينتج إلا بيئة عمل يسودها الإحباط، وتتراجع فيها الثقة، ويضعف فيها الأداء.
إن الموظف الذي ينشغل كل يوم بالسؤال: هل سأفقد عملي؟ وكيف سأعيل أسرتي؟ لا يمكن أن يُطلب منه في الوقت نفسه أن يكون شريكًا في تطوير المؤسسة وتحقيق أهدافها.
لذلك، فإن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بإنهاء خدمة العاملين، وإنما يبدأ بإصلاح الإدارة نفسها، وإرساء مبادئ الشفافية، وبناء الثقة، واحترام الحقوق، وإشراك العاملين في مواجهة التحديات.
ويبقى السؤال الذي ينتظر الجميع إجابته:
هل إصلاح الخدمة المدنية يعني بناء مؤسسات أكثر كفاءة، أم إفراغها من كوادرها في أكثر مراحل السودان حاجةً إلى خبراتهم؟
وفي شركة مطارات السودان، يظل السؤال أكثر إلحاحًا:
هل تختار الإدارة طريق الشفافية، أم تترك الغموض يقود الشركة والعاملين إلى مستقبل لا يريده أحد؟


