مجموعة “حادبون”… وإلغاء الآخر

مجموعة “حادبون”… وإلغاء الآخر

كتب:إبراهيم عدلان

ليس من حق أحد أن يحتكر الوطنية، كما ليس من حق أحد أن يجعل الدفاع عن مؤسسة وطنية سبباً للهجوم على مؤسسة وطنية أخرى.

إن المطالبة بإصلاح سودانير مطلب مشروع، بل هي ضرورة وطنية، لكن تحويل شركة مطارات السودان إلى “العدو” الذي يجب إلغاؤه لا يستند إلى فهم صحيح لطبيعة صناعة الطيران، ولا إلى المبادئ التي تقوم عليها إدارة النقل الجوي في العالم.

حادبون تطالب البرهان بحل شركة مطارات السودان

فالخلط بين شركة النقل الجوي وشركة إدارة المطارات يمثل خطأً جوهرياً.

شركة النقل الجوي هي شركة طيران، مهمتها نقل الركاب والبضائع وتشغيل الطائرات وتحقيق الإيرادات من عمليات النقل الجوي، وهي تتنافس مع بقية شركات الطيران الوطنية والأجنبية.

أما شركة المطارات، فهي الجهة التي تدير البنية التحتية للمطار، وتشغل المدارج والساحات والمباني وأنظمة المطار، وتقدم خدماتها لجميع شركات الطيران دون تمييز. ولذلك فإنها لا تنافس شركة الطيران، وإنما توفر لها البيئة التشغيلية التي تمكنها من أداء رسالتها.

أما مفهوم الناقل الوطني، فهو مفهوم كثيراً ما يُساء فهمه.

فالناقل الوطني لا يعني الشركة التي تحتكر جميع أنشطة الطيران أو تستحوذ على كل الخدمات داخل المطار، وإنما هو شركة الطيران التي تمثل الدولة في النقل الجوي الدولي، وتحمل علمها، وتربطها بالعالم، وتؤدي دوراً اقتصادياً واستراتيجياً، مع خضوعها لقواعد المنافسة والكفاءة.

ولا يمنح وصف “الناقل الوطني” حق إدارة المطارات، أو تحصيل رسوم المواقف، أو تشغيل صالات السفر، أو احتكار أنظمة إنهاء إجراءات السفر، لأن هذه كلها خدمات مطارية بطبيعتها وليست خدمات نقل جوي.

ولو نظرنا إلى التجربتين المصرية والإثيوبية كنموذجين ناجحين في إدارة قطاع الطيران، لوجدنا أن كلاً منهما يقوم على تكامل المؤسسات لا إلغاء بعضها البعض.

ففي مصر تعمل شركة مصر للطيران كناقل وطني، بينما تتولى الشركة المصرية للمطارات إدارة وتشغيل المطارات، وتقدم الشركة الوطنية لخدمات الملاحة الجوية خدمات الملاحة، ولكل مؤسسة اختصاصها المحدد الذي لا يتعارض مع اختصاص المؤسسة الأخرى، وهو ما أوجد منظومة متكاملة تخدم قطاع الطيران بأكمله.

أما في إثيوبيا، فقد أصبحت الخطوط الجوية الإثيوبية واحدة من أنجح شركات الطيران في إفريقيا والعالم، ليس لأنها ألغت شركة المطارات أو استحوذت على جميع أنشطة القطاع، وإنما لأنها قامت على إدارة احترافية، واستراتيجية واضحة، واستثمارات مدروسة، وتكامل مؤسسي بين الناقل الوطني، وإدارة المطارات، وسلطات الطيران المدني.

إن نجاح الناقل الوطني لا يتحقق بإضعاف بقية مؤسسات القطاع، وإنما بوجود منظومة متكاملة يؤدي فيها كل طرف دوره بكفاءة. فالمطار ليس منافساً لشركة الطيران، كما أن شركة الطيران ليست بديلاً عن إدارة المطارات، بل إن نجاح أحدهما يعتمد على نجاح الآخر.

إن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بحل المؤسسات، وإنما يبدأ بتحديد اختصاصاتها بدقة، وإزالة التداخل بينها، وتطبيق مبادئ الحوكمة والشفافية والمساءلة.

فإذا كانت هناك لوائح أو رسوم أو قرارات أضرت بسودانير، فلتراجع تلك اللوائح، وإذا كانت هناك حقوق تاريخية أو أصول محل نزاع، فليحسمها القانون والقضاء والوثائق الرسمية، وليس بالشعارات أو بإلغاء مؤسسة كاملة.

إن تجربة الطيران العالمية تؤكد أن نجاح القطاع يقوم على منظومة متكاملة تشمل سلطة طيران مدني مستقلة تنظم وتراقب، وشركة لإدارة المطارات، ومزوداً لخدمات الملاحة الجوية، وناقلاً وطنياً قوياً، وشركات طيران خاصة تعمل في بيئة تنافسية عادلة.

ولا يمكن لأي حلقة من هذه المنظومة أن تنجح بإلغاء الحلقة الأخرى.

إن سودانير تستحق الدعم بلا شك، لكنها تحتاج قبل كل شيء إلى إدارة محترفة، ورؤية استراتيجية، وأسطول حديث، وتمويل مستدام، وشبكة تشغيل اقتصادية، وتحالفات وشراكات ذكية، وحوكمة رشيدة. فهذه هي العوامل التي تصنع ناقلاً وطنياً ناجحاً، وليس مجرد إلغاء مؤسسة أخرى.

إن الدعوة إلى حل شركة المطارات لن تعيد لسودانير طائرة واحدة إلى الخدمة، ولن تفتح لها وجهات جديدة، ولن تستعيد ثقة المسافرين فيها، ولن تحسن مركزها المالي.

ما يحتاجه قطاع الطيران السوداني اليوم ليس إلغاء الآخر، بل بناء منظومة متكاملة يعمل فيها الجميع من أجل هدف واحد، هو استعادة السودان لمكانته في صناعة الطيران المدني.

فالطيران لا ينهض بالصراع بين مؤسساته، وإنما ينهض بالتكامل بينها، وبإدارة كفؤة، وتشريعات سليمة، ورؤية وطنية تضع مصلحة السودان فوق مصلحة أي مؤسسة أو مجموعة.




مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.