سودانير والرسوم السيادية (Royalty)… هل تغيّرت قواعد اللعبة؟

سودافاكس – يعود الجدل مجدداً حول الرسوم السيادية وحق الامتياز باعتبارهما طوق نجاة محتمل لسودانير، وكأن المشكلة يمكن اختزالها في مورد مالي أو حق تاريخي مفقود. لكن السؤال الذي يتجاهله كثيرون هو الأكثر حسماً:

هل ما زالت صناعة الطيران نفسها تعمل بالقواعد القديمة التي نُبني عليها هذا الطرح؟

المفارقة أن النقاش حول سودانير يُدار أحياناً وكأن العالم لم يتغير، بينما الواقع أن قطاع الطيران أعيد تشكيله بالكامل خلال العقود الماضية.

في النموذج التقليدي لاتفاقيات الخدمات الجوية الثنائية (Bilateral Air Services Agreements)، كان من الشائع أن تعتمد الدول على تعيين ناقل وطني واحد (single designated carrier)، بحيث تمنحه الدولة الصفة القانونية للاستفادة من حقوق التشغيل المنصوص عليها في الاتفاقية. وكانت هذه الاتفاقيات تتضمن قيودًا تنظيمية على السعة (Capacity)، وعدد الرحلات (Frequency)، و نوع أو حجم الطائرات (Aircraft Type)، إلى جانب ترتيبات اقتصادية وتنظيمية وفّرت درجة من الحماية للسوق وحدّت من المنافسة الغير عادلة .

كان ذلك النظام واضحاً: دولة تمنح، وناقل واحد يحتكر.

لكن هذا العالم انتهى فعلياً.

مع توسع الطلب العالمي على السفر، انهارت فكرة الناقل الواحد تدريجياً، وانتقلت الدول إلى نموذج تعدد الناقلين ليس كخيار تنظيمي بل كضرورة فرضها السوق.

ثم جاء التحول الأكثر عمقاً مع فرض واقع اتساع المنافسة الجوية عالمياً بصورة لا رجعة فيها، خصوصاً مع الحريتين الثالثة والرابعة، وظهور ما يعرف بالحرية السادسة (Sixth Freedom)، التي أسهمت في إعادة تشكيل بنية المنافسة في قطاع الطيران، وقلبت قواعده الأساسية رأساً على عقب.

ما يعرف بالحرية السادسة ليس بنداً في اتفاق، بل نموذج اقتصادي كامل: مطارات تتحول إلى مراكز عبور (Hub Airports)، وشركات تبني قوتها على شبكات الربط (Connectivity) لا على الامتيازات.

هنا تغيّر جوهر الصناعة.

لم تعد القيمة في “من يُعيَّن ناقلاً وطنياً”، ولا في الرسوم السيادية (Royalty)، ولا في الحماية التنظيمية، بل في من يملك القدرة على خلق حركة فعلية في السوق.

الشركات التي فهمت هذا التحول لم تنتظر امتيازاً، بل بنت أساطيل، وطورت شبكات، واستثمرت في التشغيل. أما من بقي أسير النموذج القديم، فقد وجد نفسه خارج المنافسة مهما كانت صفته القانونية.

ومن هنا، يصبح طرح الرسوم السيادية كمدخل إنقاذ اختزالاً مخلّاً للواقع. لأن المشكلة لم تعد في مورد مالي لم يُفعّل، بل في منظومة تشغيلية كاملة تغيّرت قواعدها.

الأكثر حساسية أن تعيين سودانير تاريخياً كناقل معين (Designated Carrier) داخل الاتفاقيات الثنائية لا يمنحها اليوم أي حصانة تلقائية في سوق مفتوح، ولا يعيد إنتاج منطق الاحتكار القديم الذي انهار عملياً مع سياسات التحرير ( Liberalization ) التي انتهجتها معظم دول العالم ونماذج التشغيل القائمة على الحريات الجوية مثل الحرية السادسة.
الاتفاقيات نفسها تطورت، وتحوّلت من أدوات تنظيم حصرية إلى أطر مرنة تسمح بالتنافس وتعدد المشغلين، بما يتماشى مع اقتصاد الطيران الحديث.

فهل نناقش سودانير بمنطق قانوني جامد، أم بمنطق صناعة تغيرت بالكامل؟

الواقع أن التحدي لم يعد قانونياً بقدر ما هو تشغيلي وهيكلي. فالسؤال الحقيقي ليس: ما الذي فقدناه؟ بل: لماذا نجحت شركات أخرى في نفس البيئة الإقليمية والدولية بينما تعثرت سودانير؟

الإجابة لا يمكن أن تكون في “الرسوم السيادية”، ولا في استدعاء نموذج تاريخي لم يعد قائماً، بل في القدرة على التكيف مع اقتصاد الطيران الجديد القائم على الكفاءة ( comptancy)، والربط (connectivity) ، والاستدامة (Sustainability)، والقدرة التنافسية (Competitiveness).

سودانير ليست حالة استثنائية خارج الزمن، بل جزء من صناعة أعادت تعريف نفسها بالكامل.
وكانت يوماً تحمل شعار «سفريات الشمس المشرقة»… لكنها غربت ،، فهل غربت بسبب الظروف، أم لأن النموذج نفسه تغيّر بينما بقيت الأدوات كما هي؟

النهوض بسودانير لا يمر عبر بوابة الامتيازات ، بل عبر فهم قاسٍ لحقيقة أن قواعد اللعبة لم تعد كما كانت، وأن من لا يتغير… يخرج من السوق مهما كان اسمه.
وعندها فقط يمكن أن تعود سفريات الشمس المشرقة، لا كشعار… بل كواقع تشغيلي جديد يفرض نفسه في السماء….. نتمني ذلك

وفي الختام، نؤكد أن هذا المقال كُتب بروح التوضيح لا بروح الانتقاد، وحتى إن حمل جانباً نقدياً، فإن النقد البنّاء يظل مطلوباً في أي قطاع يبحث عن النهوض.

ليس المقصود التقليل من سودانير أو تاريخها، بل العكس تماماً؛ فلا يوجد سوداني لا يتمنى أن يرى الخطوط الجوية السودانية تستعيد مكانتها، وأن يعود شعار «سفريات الشمس المشرقة» واقعاً لا ذكرى.

كما أن الطموح لا يقف عند شركة طيران فقط، بل يمتد إلى أن تصبح مطاراتنا مطارات محورية قادرة على خلق الحركة والربط وجذب الأسواق، لأن قوة الناقل الوطني لا تُبنى بمعزل عن قوة منظومة الطيران كلها.

سودانير تستحق أن تعود… لكن عودتها لن تأتي من استدعاء نماذج الأمس وحدها، بل من فهم متغيرات اليوم والاستعداد لمنافسة الغد.

تحية و احترام

Exit mobile version