من الرياض والقاهرة إلى الخرطوم: عندما انتقلت المنافسة من الخطوط إلى الشبكات

ما دعانا للعودة إلى هذا الملف وتكراره هو ما تناولناه في مقال سابق، والذي تزامن نشره مع بداية انطلاق وتوسع طيران الرياض إلى وجهته الجديدة اليوم. فالحدث في ظاهره يبدو افتتاح خط جديد، لكنه في جوهره يعكس التحول الذي يشهده قطاع الطيران عالميًا؛ انتقال المنافسة من تشغيل الرحلات المنفردة إلى بناء الشبكات الجوية، ومن الاعتماد على ناقل واحد إلى منظومات متعددة تستهدف الاستحواذ على الحركة وتعظيم حصتها من النمو المستقبلي.

وتوسع الناقل السعودي الجديد في رحلاته إلى القاهرة اليوم لم يكن مجرد إضافة وجهة جديدة، بل انعكاس لهذا التحول الأوسع. فالمنافسة لم تعد تدور حول ربط مدينة بأخرى، بل حول إدخال هذه الروابط ضمن شبكة تمتد عبر قارات متعددة، حيث تصبح كل رحلة جزءًا من مسار أطول وأكثر تعقيدًا يخدم حركة العبور ويرفع كفاءة التشغيل.

وهذا ما برهنته الرياض اليوم مع تشغيل أول رحلاتها إلى القاهرة؛ فالهدف لا يقتصر على فتح وجهة جديدة، وإنما إدماج القاهرة ضمن شبكة أوسع تربط الشرق بالغرب وتحوّل الرحلة إلى عنصر داخل منظومة نقل تتنافس على جذب الحركة الجوية وإعادة توزيعها.

هذا المشهد يعكس انتقال صناعة الطيران من نموذج ناقل واحد إلى نموذج تعدد النواقل داخل الدولة الواحدة، وهو تحول أصبح من أهم أدوات النمو والحفاظ على الحصة الوطنية في سوق النقل الجوي.

في السابق وكما اشرنا في تقريرنا السابق، كانت الدول تعتمد على شركة وطنية واحدة لتغطية الطلب المحلي والدولي، لكن تغير أنماط السفر واتساع الأسواق دفع العديد من الدول إلى بناء منظومات تضم أكثر من ناقل، لكل منها نموذج تشغيل مختلف وقدرة على خدمة شرائح متنوعة من المسافرين.

في مصر، لم يعد النشاط الجوي مقتصرًا على شركة واحدة، بل توجد إلى جانب مصر للطيران شركات أخرى مثل أير كايرو والنيل للطيران وفلاي إيجيبت. وفي السعودية، تطور المشهد من الاعتماد على الخطوط السعودية إلى وجود فلاي ناس وفلاي أديل، ومع دخول طيران الرياض تتجه المملكة إلى تعزيز حضورها ضمن منظومة جوية أكثر تنوعًا واتساعًا.

وتعدد الشركات لا يخلق المنافسة فقط، بل يوسع القدرة على استيعاب النمو. فوجود أكثر من ناقل يدفع إلى تحسين الخدمة، ورفع الكفاءة، وتوسيع الخيارات أمام المسافرين، كما يمنح الدولة قدرة أكبر على الاحتفاظ بحصتها من حركة السفر.

وهنا تظهر أهمية التوسع المنظم. فالنمو في الطلب على السفر يحدث سواء شاركت فيه الدولة أم لا، وإذا لم تزد قدراتها التشغيلية أو لا توجد شركات تستوعب هذا النمو، فإن الحركة تنتقل تدريجيًا إلى شركات ومراكز عبور خارجية، بما يعني فقدان جزء من العوائد والتأثير الاقتصادي.

لكن تعدد الشركات وحده لا يكفي. فنجاح النواقل يرتبط بوجود مطارات محورية تجميعية (Hub Airports) قادرة على استقبال الحركة من مدن متعددة وإعادة توزيعها إقليميًا ودوليًا. ولم تعد هذه المطارات مجرد بوابات سفر، بل أصبحت أصولًا اقتصادية تعزز الربط الجوي وتجذب الحركة وتدعم نمو شركات الطيران.

والتنافس اليوم لم يعد على تشغيل خط جوي بين مدينتين، بل على بناء شبكة قادرة على جذب الحركة وإعادة توزيعها عبر أكبر عدد من الوجهات. لم يعد السؤال: كم وجهة نصل إليها؟ بل: كم مسارًا يمكن أن يمر عبرنا؟ لذلك أصبحت قيمة شركات الطيران والمطارات تُقاس بقدرتها على تحويل المدن إلى عقد اتصال داخل شبكات إقليمية وعالمية أوسع.

وبالنسبة للخرطوم، فإن التحدي لا يتمثل فقط في زيادة عدد الرحلات أو استعادة الخطوط، بل في بناء نموذج قادر على المنافسة مستقبلًا. وجود أكثر من ناقل، إلى جانب مطار محوري قادر على تجميع الحركة وربطها إقليميًا ودوليًا، يمكن أن يفتح المجال أمام استعادة موقع السودان داخل خريطة النقل الجوي.

فكيف يمكن تحويل الخرطوم من نقطة وصول إلى نقطة عبور؟ وكيف تنتقل من سوق يستهلك الحركة الجوية إلى مركز يشارك في صناعته .

لم تعد القوة تُقاس بعدد الطائرات، بل بقدرة الدولة على بناء شبكة تجذب الحركة وتحافظ على حصتها من النمو وتحوّل موقعها الجغرافي إلى فرصة اقتصادية مستدامة.

ومع ما ينتظر السودان من مرحلة إعادة إعمار وإعادة بناء للاقتصاد، تبدو الحاجة ملحة لوضع خطة وطنية متكاملة لتنمية المطارات وتطوير البنية التحتية الجوية بما يواكب التحولات العالمية في صناعة النقل الجوي. فالمطلوب لم يعد فقط إعادة تشغيل ما كان قائمًا، بل تصميم منظومة حديثة تربط المطارات بالاقتصاد وتمنحها دورًا محوريًا في حركة التجارة والسفر والعبور.

فالاستثمار في المطارات اليوم لم يعد مشروع خدمات، بل مشروع تنموي واستراتيجي طويل الأمد. وإذا أُحسن توظيف الموقع الجغرافي للسودان وبناء شبكة نقل جوي متكاملة، يمكن للخرطوم أن تنتقل من نقطة نهاية إلى مركز ربط إقليمي يشارك في صناعة الحركة بدل الاكتفاء باستقبالها.

سودافاكس

Exit mobile version