وصاية وزارة المالية على رسوم العبور…”عندما ينتصر القوي على الضعيف”

وصاية وزارة المالية على رسوم العبور…”عندما ينتصر القوي على الضعيف”

بقلم: إبراهيم عدلان

أثار القانون الذي صدر في عام 2023، والقاضي بإسناد السيطرة على رسوم عبور الأجواء إلى وزارة المالية، تساؤلات عميقة حول مستقبل إدارة قطاع الطيران المدني في السودان، ليس فقط من الناحية المالية، وإنما أيضاً من زاوية الالتزام بالمبادئ التي أرستها منظمة الطيران المدني الدولي (ICAO) والاتحاد الدولي للنقل الجوي (IATA).

رسوم العبور وأجور العاملين: هل نهرب من جوهر المشكلة؟

وقد جاء هذا القانون في ظروف استثنائية، في ظل غياب رئيس وزراء، وعدم وجود مجلس تشريعي يمارس سلطته في مناقشة وإجازة القوانين والرقابة عليها. كما لم يُعرف عن وزارة الدفاع، التي كانت تشرف على سلطة الطيران المدني في ذلك الوقت، أنها أبدت اعتراضاً أو تحفظاً على هذا التحول الجوهري في إدارة أحد أهم موارد قطاع الطيران.

لكن القضية في حقيقتها ليست صراعاً بين وزارة المالية والطيران المدني، وإنما هي سؤال يتعلق بطبيعة رسوم عبور الأجواء نفسها: هل هي مورد عام للخزانة، أم أنها مقابل خدمات فنية يجب أن تعود حصيلتها إلى القطاع الذي يقدم تلك الخدمات؟

وفقاً لسياسات منظمة الطيران المدني الدولي (ICAO)، فإن رسوم الملاحة الجوية ليست ضريبة سيادية، وإنما هي مقابل خدمات تقدم للطائرات العابرة، تشمل المراقبة الجوية، والاتصالات، والمساعدات الملاحية، والأرصاد الجوية، وخدمات البحث والإنقاذ، وغيرها من الخدمات التي تضمن سلامة وانسياب الحركة الجوية.

ولهذا تؤكد وثيقة ICAO Doc 9082 أن فرض هذه الرسوم يجب أن يقوم على مبدأ استرداد تكلفة الخدمة (Cost Recovery)، وأن تستخدم حصيلتها في تشغيل وتطوير خدمات الملاحة الجوية، وليس باعتبارها مورداً عاماً للموازنة. كما تؤكد الوثيقة مبادئ الشفافية، والعدالة، وعدم التمييز، والتشاور مع مستخدمي المجال الجوي عند تحديد الرسوم أو تعديلها.

أما الاتحاد الدولي للنقل الجوي (IATA)، فلا يفرض الرسوم ولا يجبيها، وإنما يمثل شركات الطيران، ويعمل على ضمان أن تكون رسوم الملاحة الجوية عادلة، وشفافة، ومبنية على التكلفة الفعلية، وألا تتحول إلى وسيلة لزيادة الأعباء المالية على شركات الطيران دون مقابل في مستوى الخدمات.

وفي جميع دول العالم تقريباً، لا تقوم الإيكاو بتحصيل رسوم العبور نيابة عن الدول، وإنما تتولى الدولة أو الجهة المقدمة لخدمات الملاحة الجوية إصدار الفواتير وتحصيلها، مع توجيه الإيرادات إلى تشغيل وتطوير هذه الخدمات، لأنها جُمعت أصلاً لهذا الغرض.

ومن المهم التأكيد على أن استقلال إدارة رسوم عبور الأجواء لا يعني غياب الرقابة أو الانفصال عن الدولة. فالطيران المدني السوداني يخضع لرقابة المراجع العام، وتراجع حساباته وفقاً للقوانين المالية السارية، كما يعد ميزانية سنوية تتضمن ربطاً مالياً يلتزم بسداده لوزارة المالية. أي أن الدولة تحصل بالفعل على نصيبها من عائدات القطاع عبر القنوات القانونية والرسمية.

وفوق ذلك، يتحمل الطيران المدني، من موارده الذاتية، الإنفاق الكامل على مصلحة الأرصاد الجوية، إلى جانب تمويل خدمات المراقبة الجوية، والاتصالات، والمساعدات الملاحية، وصيانة البنية التحتية، وتأهيل الكوادر، وهي جميعها خدمات لا يمكن الاستغناء عنها لضمان سلامة الملاحة الجوية والوفاء بالتزامات السودان الدولية.

ويثير حجم الربط المالي الذي يسدده الطيران المدني لوزارة المالية تساؤلات مشروعة حول مدى اتساقه مع فلسفة وثيقة ICAO Doc 9082، التي تؤكد أن رسوم الملاحة الجوية يجب أن تقوم على مبدأ استرداد تكلفة الخدمات، وأن توجه إيراداتها أساساً إلى تشغيل وتطوير خدمات الملاحة الجوية. وإذا كان الطيران المدني يخضع أصلاً للمراجعة والمحاسبة، ويسدد ربطاً مالياً للخزانة العامة، ويتحمل في الوقت نفسه كامل الإنفاق على مصلحة الأرصاد الجوية وسائر خدمات الملاحة الجوية، فما هي المبررات التي دعت إلى نقل السيطرة على رسوم العبور إلى وزارة المالية؟

إن تحويل هذه الرسوم إلى مورد مالي عام، دون ضمانات قانونية تكفل إعادة استثمارها في قطاع الطيران، يخل بالتوازن الذي حرصت عليه المعايير الدولية بين الجهة التي تقدم الخدمة والجهة التي تمولها. فعندما يفقد القطاع حقه في إدارة موارده، يصبح عاجزاً عن التخطيط طويل الأجل، وعن تحديث أنظمته، وتأهيل كوادره، والمحافظة على مستويات السلامة والكفاءة التي تفرضها المعايير الدولية.

إن استقلال تمويل خدمات الملاحة الجوية ليس امتيازاً إدارياً، وإنما هو أحد متطلبات سلامة الطيران واستدامته. ولذلك فإن معظم الدول التي حققت نجاحاً في هذا المجال حرصت على أن تبقى رسوم الملاحة الجوية مخصصة للغرض الذي جُمعت من أجله، مع إخضاعها في الوقت نفسه للرقابة والمراجعة والمحاسبة.

إن القضية ليست رفضاً لسلطة وزارة المالية، ولا خروجاً على ولاية الدولة على المال العام، وإنما دفاع عن مبدأ دولي راسخ، مؤداه أن الأموال التي تُحصّل باسم السلامة الجوية يجب أن تُنفق على السلامة الجوية، وأن الموارد التي تُجبى مقابل خدمات الملاحة يجب أن تعود لتطوير تلك الخدمات، لا أن تفقد هويتها وتذوب في أبواب الإنفاق العام.

لقد ظل الطيران المدني، لعقود طويلة، نموذجاً للمؤسسات التي تمول نفسها بنفسها، وتخضع في الوقت ذاته للمراجعة العامة وتفي بالتزاماتها تجاه الدولة. ولذلك فإن المساس باستقلال موارده لا يضر بالمؤسسة وحدها، وإنما ينعكس على كفاءة المجال الجوي، وعلى ثقة شركات الطيران، وعلى قدرة السودان على الوفاء بالتزاماته الدولية.

ويبقى السؤال الذي يستحق أن يطرحه كل مهتم بمستقبل الطيران المدني في السودان:

هل كانت وصاية وزارة المالية على رسوم عبور الأجواء إصلاحاً مالياً، أم أنها كانت انتصاراً للقوي على الضعيف؟

Exit mobile version