السكن بجوار المطار… هل هو عنوان للوجاهة أم خطأ في التخطيط؟

السكن بجوار المطار… هل هو عنوان للوجاهة أم خطأ في التخطيط؟

في معظم دول العالم، لا يُنظر إلى السكن بالقرب من المطارات باعتباره ميزة، بل يُعد خيارًا غير مفضل. فالضوضاء المستمرة، وتلوث الهواء، ومتطلبات السلامة، والقيود المفروضة على البناء، تجعل الأراضي المحيطة بالمطارات أكثر ملاءمة للأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالطيران منها للاستخدامات السكنية. ولذلك، تتجه سياسات التخطيط العمراني الحديثة إلى حماية هذه الأراضي وتوجيهها نحو الخدمات اللوجستية، والشحن الجوي، والصناعات، والفنادق، ومراكز الأعمال.

ولاية الخرطوم : “درة المطار”مدينة سكنية جديدة متكاملة جوار المطار الجديد

أما في السودان، فقد نشأت ظاهرة مختلفة تمامًا.

فعلى مدى عقود، ارتبط السكن بالقرب من مطار الخرطوم في ذهنية بعض الناس بالوجاهة الاجتماعية و”البريستيج”. وأصبحت أحياء مثل العمارات، والرياض، والطائف، وأجزاء من المنشية وأركويت، تمثل لدى البعض عنوانًا للرقي والانتماء إلى طبقة اجتماعية متميزة.

ولم يكن هذا التصور نابعًا من المطار نفسه، وإنما من عوامل أخرى؛ فقد كانت تلك الأحياء تحتضن السفارات، ومقار المنظمات الدولية، وكبار المسؤولين، وتتمتع بخدمات وبنية تحتية أفضل من غيرها. ومع مرور الزمن، اختلطت هذه العوامل في الوعي الجمعي، حتى أصبح القرب من المطار قيمة اجتماعية في حد ذاته، رغم أنه، من منظور التخطيط العمراني والطيران، يمثل تحديًا أكثر منه ميزة.

واليوم، يبدو أن هذه الصورة الذهنية تعيد إنتاج نفسها مع مشروع مطار الخرطوم الجديد.

فمنذ الإعلان عن موقع المشروع، بدأ سباق محموم من بعض الأفراد للحصول على قطع أراضٍ في المناطق المحيطة بالمطار، وكأن مجرد القرب منه يمثل استثمارًا مضمونًا أو عنوانًا لمكانة اجتماعية مرموقة. وارتفعت أسعار الأراضي، واشتدت المضاربات، وساد اعتقاد بأن المنطقة ستصبح الامتداد الجديد لأحياء الصفوة، كما حدث حول مطار الخرطوم القديم.

غير أن هذا التصور يعكس خلطًا بين القيمة الاجتماعية المتخيلة والقيمة الاقتصادية الحقيقية للأرض.

فالمطارات الحديثة لم تعد مجرد مدارج للطائرات وصالات للمسافرين، بل أصبحت محركات للتنمية الاقتصادية. وأصبح مفهوم مدينة المطار (Airport City) جزءًا من فلسفة التخطيط الحديثة، حيث تُخصص الأراضي المحيطة بالمطار للمناطق الحرة، ومراكز الشحن الجوي، والمجمعات اللوجستية، ومرافق صيانة الطائرات، والصناعات المرتبطة بالطيران، والفنادق، ومراكز المؤتمرات، ومقار الشركات العالمية، ومراكز التدريب، والخدمات ذات القيمة المضافة.

وقد أثبتت التجارب العالمية نجاح هذا النهج.

ففي سنغافورة، لم يُبن مطار شانغي ليكون مجرد مطار عالمي، بل أصبح محورًا اقتصاديًا متكاملًا، تحيط به مناطق للشحن والصناعات التقنية والخدمات اللوجستية، وأسهم بصورة مباشرة في تعزيز مكانة الدولة كمركز عالمي للتجارة والطيران.

وفي كوريا الجنوبية، تحولت المنطقة المحيطة بمطار إنشيون الدولي إلى منطقة اقتصادية حرة تضم شركات عالمية، ومراكز أبحاث، وصناعات متقدمة، وخدمات لوجستية، بينما ظل التوسع السكني خاضعًا لضوابط صارمة تحمي مستقبل المطار.

أما مطار سخيبول في هولندا، فقد أصبح نموذجًا عالميًا لما يعرف بمدينة المطار، حيث نشأت حوله واحدة من أكبر مناطق الأعمال والخدمات اللوجستية في أوروبا، وأصبحت قيمة الأرض فيه تُقاس بحجم النشاط الاقتصادي الذي تستضيفه، لا بعدد الوحدات السكنية التي تُقام عليها.

وفي منطقة الخليج، خُططت المشاريع العملاقة، مثل مطار آل مكتوم في دبي، لتكون جزءًا من منظومة متكاملة تربط بين المطار، والموانئ البحرية، والمناطق الحرة، وشبكات الطرق والسكك الحديدية، لتصبح بوابات عالمية للتجارة والخدمات اللوجستية.

ويجمع بين هذه التجارب مبدأ واحد واضح: كلما ازدادت أهمية المطار، ازدادت أهمية حماية الأراضي المحيطة به من الزحف السكني.

ولم يعد الفكر الحديث في صناعة الطيران يتحدث عن المطار بوصفه منشأة للنقل الجوي فحسب، بل عن مفهوم أكثر شمولًا يُعرف باسم “الأيروتروبوليس” (Aerotropolis)، أو “المدينة المطار”. ويقوم هذا المفهوم على اعتبار المطار القلب الاقتصادي الذي تنمو حوله الأنشطة الإنتاجية والاستثمارية، تمامًا كما كانت الموانئ البحرية والسكك الحديدية محركات للنمو في الماضي.

وفي نموذج الأيروتروبوليس، تُخصص الأراضي المحيطة بالمطار لاستقطاب الصناعات ذات القيمة المضافة، ومراكز التجارة الإلكترونية، وشركات الشحن السريع، ومناطق إعادة التصدير، ومراكز صيانة الطائرات، وأكاديميات الطيران، والفنادق، ومقار الشركات العالمية، وليس لإقامة أحياء سكنية كثيفة قد تعيق توسع المطار وتحد من فرصه المستقبلية.

وبالنسبة للسودان، فإن هذا المفهوم يمثل فرصة تاريخية، لا سيما أن موقعه الجغرافي يؤهله ليكون حلقة وصل بين إفريقيا والعالم العربي، وبين الشرق والغرب. وإذا أُحسن تخطيط مطار الخرطوم الجديد، وربط بالموانئ والطرق وشبكات النقل، فإنه يمكن أن يصبح مركزًا إقليميًا للشحن والخدمات اللوجستية، ومحركًا حقيقيًا للنمو الاقتصادي.

لكن هذه الفرصة قد تضيع إذا تكرر الخطأ الذي وقع فيه مطار الخرطوم القديم.

فقد تمددت المدينة تدريجيًا حتى أحاطت بالمطار من جميع الجهات، وتحولت الأراضي التي كان يفترض أن تُخصص للتوسع المستقبلي إلى أحياء سكنية وتجارية، فأصبح المطار محاصرًا بالعمران، وفقد كثيرًا من قدرته على التطور، وواجه تحديات متزايدة تتعلق بالسلامة، والضوضاء، والبيئة، والحركة المرورية.

إن الأرض المحيطة بمطار الخرطوم الجديد ليست مجرد مخزون عقاري، بل هي أصل اقتصادي وطني. وكل قطعة أرض تُحول اليوم إلى استخدام سكني قد تكون غدًا هي الموقع الذي يحتاجه السودان لمنطقة شحن، أو قرية لوجستية، أو مركز صيانة، أو منطقة حرة، أو توسعة مستقبلية للمطار.

ومن هنا، فإن نجاح المشروع لن يقاس بطول المدرج أو فخامة مبنى الركاب، بل بقدرة الدولة على حماية الأراضي المحيطة به، ووضع مخطط عمراني صارم يمنع الاستخدامات التي تتعارض مع مستقبل المطار، ويوجه الاستثمار نحو الأنشطة التي تحقق أعلى قيمة مضافة للاقتصاد الوطني.

إن التخطيط للمطارات لا يكون لعشر سنوات، بل لقرن كامل. وما يُتخذ اليوم من قرارات سيحدد شكل الطيران المدني السوداني لعقود قادمة.

لقد آن الأوان لأن نتحرر من الفكرة التي تربط القرب من المطار بالوجاهة الاجتماعية. فالبريستيج الحقيقي لا تصنعه ضوضاء الطائرات، ولا عنوان المنزل المجاور للمدرج، وإنما تصنعه جودة التخطيط، وكفاءة الإدارة، وحسن استثمار الموارد الوطنية.

إن مطار الخرطوم الجديد ليس مشروعًا عقاريًا، بل مشروع تنموي واستراتيجي. وإذا أردنا له أن يصبح بوابة السودان إلى المستقبل، فعلينا أن نحميه من أخطاء الماضي قبل أن نحميه من تحديات المستقبل.

وإذا كان مطار الخرطوم القديم قد خسر جزءًا كبيرًا من مستقبله بسبب زحف العمران، فإن أكبر خطأ يمكن أن نرتكبه هو أن نكرر التجربة نفسها مع مطار الخرطوم الجديد.

فالمطارات تُبنى لتخدم المدن، لا لتبتلعها المدن.

وتُقام لتكون محركات للنمو الاقتصادي، لا ساحات للمضاربات العقارية.

أما حماية الأراضي المحيطة بالمطار، فهي ليست مجرد قضية تخطيط عمراني، بل قضية تتعلق بمستقبل السودان الاقتصادي، وبحق الأجيال القادمة في الاستفادة من واحد من أهم مشروعاته الاستراتيجية.




حسام بشير

محرر بشبكة سودافاكس الإخبارية ، الشبكة الاولى في متابعة الأحداث والتغطيات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.