إعادة هيكلة الجسم المشغل للمطارات.. هل نتعلم من العالم أم نكرر أخطاءه؟

إعادة هيكلة الجسم المشغل للمطارات.. هل نتعلم من العالم أم نكرر أخطاءه؟

بقلم : مصطفى سليمان

كلما طُرح ملف إعادة هيكلة مؤسسات تشغيل المطارات، ينصرف ذهن كثيرين مباشرة إلى سؤال واحد: من سيغادر؟
بينما السؤال الأهم الذي ينبغي أن يُطرح هو:
أي مؤسسة نريد أن نبني؟

تفاصيل واقع التأمين على شركات الطيران الوطنية ..نقاط على الحروف

فإعادة الهيكلة، وفق المفهوم الإداري الحديث، ليست مشروعًا لتقليص العمالة فحسب ، وإنما عملية إصلاح مؤسسي تهدف إلى إعادة بناء المنظمة بما يجعلها أكثر كفاءة ومرونة وقدرة على تحقيق أهدافها في بيئة تشغيلية متغيرة. وهذا هو الدرس الذي قدمته التجارب الدولية في قطاع إدارة وتشغيل المطارات.

فعندما واجهت كبرى شركات تشغيل المطارات حول العالم أزمات مالية متلاحقة، ثم جاءت جائحة كورونا لتوقف حركة الطيران بصورة غير مسبوقة، لم يكن الخيار الأول هو الاستغناء عن الموظفين. بل اتجهت تلك المؤسسات إلى مراجعة هياكلها التنظيمية، وتحليل العمليات التشغيلية، وإعادة توزيع الموارد البشرية، وتأهيل العاملين لشغل وظائف جديدة، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن الخبرة المؤسسية تمثل أحد أهم أصول المؤسسة.

ففي إسبانيا، أعادت شركة AENA توزيع العاملين بين المطارات وفقًا لمعدلات التشغيل، دون تحميل الموظفين وحدهم تبعات تراجع الحركة الجوية.

وفي ألمانيا، حافظت Fraport AG على كوادرها من خلال حلول تشغيلية مرنة، إدراكًا منها أن التعافي سيكون أكثر صعوبة إذا فقدت المؤسسة خبراتها المتراكمة.

أما في المملكة المتحدة، فقد نفذت Heathrow Airport Holdings برنامجًا لإعادة الهيكلة عقب الجائحة، ركز على دمج بعض الإدارات، وإعادة تصميم العمليات التشغيلية، مع إعطاء الأولوية للتقاعد الطوعي وإعادة توزيع العاملين قبل اللجوء إلى إنهاء الخدمة.

وفي فرنسا، أعادت Groupe ADP (Aéroports de Paris) هيكلة أعمالها مع التركيز على إعادة تأهيل الموظفين للعمل في مجالات التحول الرقمي وتحسين تجربة المسافر، بدلًا من الاعتماد على تسريح واسع للعمالة.

وفي سنغافورة، استثمرت Changi Airport Group فترة انخفاض الحركة الجوية في تدريب آلاف الموظفين على التقنيات الحديثة والتشغيل الذكي، استعدادًا لمرحلة التعافي، انطلاقًا من قناعة بأن الاستثمار في الإنسان هو أساس استدامة الأداء.

كما أجرت Airports Company South Africa (ACSA) مراجعة شاملة لهيكلها التنظيمي مع التركيز على رفع الإنتاجية وتطوير المهارات .

بينما اعتمدت Malaysia Airports Holdings Berhad سياسة إعادة الانتشار الداخلي، والعمل المرن، وبرامج التقاعد الاختياري.

وفي تايلاند، أعادت Airports of Thailand (AOT) توزيع العاملين بين مطاراتها وفق الاحتياجات التشغيلية، واستحدثت وظائف جديدة مرتبطة بإدارة الإيرادات والخدمات الرقمية، بدلاً من الاكتفاء بتقليص الوظائف التقليدية.

كما ركز Sydney Airport في أستراليا على دمج الاختصاصات، وإعادة توزيع الموظفين، وتحسين كفاءة التشغيل مع المحافظة على الخبرات الأساسية .

بينما اعتمد Toronto Pearson Airport في كندا نهجًا يقوم على إعادة تصميم بيئة العمل وتأهيل الكوادر للتعامل مع المتطلبات التشغيلية الجديدة قبل التفكير في تقليص الوظائف.

ورغم اختلاف البيئات الاقتصادية والتشريعية، فإن هذه التجارب تؤكد حقيقة واحدة: وهي أن إعادة الهيكلة الناجحة لا تستهدف الموظفين في المقام الأول، بل تستهدف تطوير المؤسسة.

فإذا كان الهدف هو الإصلاح الحقيقي، فإن البداية ينبغي أن تكون بإجراء مراجعة علمية للهيكل التنظيمي، وتحليل الاحتياجات الفعلية لكل إدارة، وقياس الأداء، وإعادة توصيف الوظائف، وتحديد الاختصاصات التي تحتاج إلى تطوير أو دمج أو استحداث، بما يواكب متطلبات المرحلة.

أما إذا تحولت إعادة الهيكلة إلى مجرد قرارات إدارية تُتخذ في غياب رؤية استراتيجية معلنة أو معايير موضوعية واضحة، فإن نتائجها غالبًا لن تتجاوز زيادة القلق داخل المؤسسة، وإضعاف روح الانتماء، وفقدان كفاءات يصعب تعويضها مستقبلًا.

ولا ينبغي النظر إلى العاملين باعتبارهم المشكلة، بل باعتبارهم جزءًا أساسيًا من الحل. فالمؤسسات الناجحة تبني إصلاحها على الاستثمار في العنصر البشري، لا على اعتباره عبئًا ينبغي التخلص منه.

وفي الدول التي تمر بظروف استثنائية أو تشهد تحولات كبيرة في بيئة التشغيل، تصبح الحاجة إلى الشفافية والتواصل المؤسسي أكثر إلحاحًا، حتى لا تتحول إعادة الهيكلة إلى مصدر للشائعات والاحتقان بدلاً من أن تكون مدخلًا للإصلاح.

ومن هنا تبرز مجموعة من الأسئلة التي ينبغي أن تكون إجاباتها واضحة قبل الشروع في أي عملية إعادة هيكلة:
– ما الأهداف الاستراتيجية لإعادة الهيكلة؟
– ما المعايير التي سيتم على أساسها توزيع الموارد البشرية؟
– هل توجد خطة متكاملة للتدريب وإعادة التأهيل؟
– هل تستند القرارات إلى دراسات فنية مستقلة وتحليل علمي للاحتياجات؟
– وما الضمانات التي تكفل العدالة والشفافية وتكافؤ الفرص؟

إن التجارب الدولية تؤكد أن نجاح إعادة الهيكلة لا يُقاس بعدد الوظائف التي أُلغيت، وإنما بقدرة المؤسسة على رفع كفاءة الأداء، وتقليل الهدر، وتحسين جودة الخدمات، وتعزيز الإنتاجية، والمحافظة على الكفاءات التي تمثل رأس المال الحقيقي لأي مؤسسة.

ويبقى السؤال الذي يواجه كل مؤسسة تفكر في إعادة الهيكلة:
هل ستكون العملية مشروعًا حقيقيًا لبناء مؤسسة أكثر كفاءة واستدامة، أم مجرد تغيير في الهياكل والمسميات دون معالجة جوهرية للتحديات؟

فالفرق بين النجاح والفشل لا يكمن في قرار إعادة الهيكلة نفسه، وإنما في الرؤية التي تقوده، والمنهج الذي تُدار به، والموظف الذي يبقى محورًا لكل عملية إصلاح مؤسسي ناجحة …

Exit mobile version