السوكارات السودانية… من مرحلة الامتثال إلى مرحلة التطوير

السوكارات السودانية… من مرحلة الامتثال إلى مرحلة التطوير

ابراهيم عدلان

قبل ظهور لوائح الطيران المدني السودانية (SUCARs)، كان الإطار القانوني المنظم للطيران المدني في السودان يستند إلى Sudan Air Laws 1960، وهي المنظومة التي أدارت قطاع الطيران لسنوات طويلة، وكانت مناسبة لواقع الصناعة آنذاك من حيث حجم الحركة الجوية ومستوى التعقيد التشغيلي.

ابراهيم عدلان: حول وصف شركة مطارات السودان المحدودة بالصفة التجارية

ومنذ انضمام السودان إلى اتفاقية شيكاغو، تبنت سلطة الطيران المدني نهج الالتزام الكامل (Full Compliance) بمعايير وممارسات منظمة الطيران المدني الدولي (ICAO)، الواردة في ملاحق الاتفاقية التسعة عشر (SARPs). ولم يسجل السودان خروجًا عن هذه المعايير إلا في حالات محدودة فرضتها اعتبارات السلامة والظروف التشغيلية المحلية، مثل بعض إجراءات المغادرة من مطار الخرطوم، حيث حالت المنطقة العسكرية المحظورة غرب المطار دون تطبيق بعض الإجراءات القياسية، فتم اعتماد بدائل تحقق المستوى المكافئ من السلامةكمازغب حالة الاستاندرد left turn after departure و استخدام الصعود التدريجيcruise climb technique

وشكل تدقيق الإيكاو الشامل (USOAP) عام 2012 نقطة تحول مهمة، إذ شرعت سلطة الطيران المدني في مراجعة منظومتها التشريعية بالكامل. فتم أولاً إعداد Air Navigation Regulations (ANRs)، ثم أعيدت هيكلة السلطة بإنشاء إدارات فنية متخصصة، أوكل إلى كل منها مسؤولية إعداد اللوائح الخاصة بمجال اختصاصها ومراجعتها وتحديثها بصورة مستمرة، وهو ما أسفر عن ميلاد Sudan Civil Aviation Regulations (SUCARs) بوصفها منظومة وطنية متكاملة تغطي جميع مجالات الطيران المدني.

ومن هنا فإن وصف السوكارات بأنها مجرد “كوبي آند بيست” لا يعكس حقيقة عملية إعدادها. فمن الطبيعي أن تتشابه لوائح الطيران في مختلف دول العالم، لأن جميعها تستند إلى المرجعية ذاتها، وهي معايير منظمة الإيكاو. غير أن القيمة الحقيقية لأي لائحة وطنية لا تكمن في اختلاف صياغتها اللغوية، وإنما في كيفية مواءمتها للبيئة القانونية والتشغيلية للدولة، مع المحافظة على الامتثال الكامل للمعايير الدولية.

إلا أن السوكارات، مهما بلغت جودتها عند إصدارها، ليست وثائق جامدة، بل هي منظومة تنظيمية متحركة يجب أن تتطور باستمرار. فصناعة الطيران تتغير بوتيرة متسارعة، وما كان مناسبًا قبل عشر سنوات قد لا يكون كافيًا اليوم.

ويأتي في مقدمة الأولويات تحديث اللوائح الخاصة بالطائرات بدون طيار (UAS/RPAS)، من خلال وضع إطار متكامل لتسجيلها، وترخيص مشغليها، واعتماد مراكز التدريب، وتنظيم العمليات التجارية، وإدارة الحركة الجوية للطائرات بدون طيار (UTM)، ودمجها بصورة آمنة مع نظام إدارة الحركة الجوية التقليدي (ATM)، مع الأخذ في الاعتبار الأبعاد الأمنية المرتبطة باستخدامها.

كما ينبغي أن يتوسع نطاق السوكارات ليشمل موضوعات لم تحظ حتى الآن بالتنظيم الكافي، وفي مقدمتها عمليات التأجير الجاف (Dry Lease) والتأجير الرطب (Wet Lease)، وذلك بوضع قواعد أكثر تفصيلاً تحدد مسؤوليات دولة التسجيل، ودولة المشغل، ومتطلبات الرقابة المستمرة، وآليات اعتماد عقود التأجير، ومعايير انتقال المسؤوليات الرقابية بين الدول.

ومن الملفات التي تستحق تنظيماً خاصاً أيضاً العمليات الجوية التي تنفذ لصالح الأمم المتحدة أو المنظمات الإنسانية، خاصة عندما تتم من خلال طرف ثالث (Third-Party Contracting)، وهي عمليات أصبحت شائعة في مناطق النزاعات والكوارث. ويستلزم هذا النوع من التشغيل وضع أحكام واضحة تحدد مسؤوليات جميع الأطراف، وآليات الرقابة، ومتطلبات السلامة، بما يتوافق مع أحكام اتفاقية شيكاغو ووثائق الإيكاو ذات الصلة.

كذلك أصبح من الضروري أن تنص السوكارات على إنشاء وحدة وطنية لتقييم المخاطر (Risk Assessment Unit) داخل سلطة الطيران المدني، تتولى تحليل المخاطر التشغيلية والأمنية، وإجراء تقييمات للمجال الجوي، وإصدار التوصيات المتعلقة بإدارة المخاطر، ودعم القرارات الخاصة بإعادة فتح أو إغلاق المجالات الجوية، وتقييم المخاطر الناجمة عن النزاعات المسلحة، والطائرات بدون طيار، والتهديدات السيبرانية، وغيرها من المخاطر المستجدة. ويتوافق ذلك مع التوجه العالمي نحو الرقابة القائمة على المخاطر (Risk-Based Oversight)، التي أصبحت أحد أهم مرتكزات الرقابة الحديثة.

كما ينبغي أن تمتد عملية التحديث إلى مجالات أخرى أخذت تحتل مكانة متقدمة في صناعة الطيران، مثل الأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي في إدارة الحركة الجوية، والطيران الكهربائي، وطائرات الإقلاع والهبوط العمودي (eVTOL)، والرقمنة الكاملة للوثائق والتراخيص والشهادات.

إن المرحلة المقبلة يجب ألا تقتصر على المحافظة على الامتثال لمعايير الإيكاو، وإنما ينبغي أن ينتقل السودان إلى مرحلة جديدة يكون فيها مساهماً في تطوير الفكر التنظيمي للطيران المدني، من خلال صياغة لوائح وطنية تعكس خبراته الطويلة، وتقدم حلولاً مبتكرة للتحديات التي تواجه القارة الإفريقية والدول الخارجة من النزاعات. فالسوكارات ليست مجرد ترجمة لملاحق اتفاقية شيكاغو، وإنما هي هوية تنظيمية وطنية، وكلما كانت أكثر مواكبة للواقع وأكثر قدرة على استشراف المستقبل، ازدادت قوة ومصداقية سلطة الطيران المدني السودانية على المستويين الإقليمي والدولي.

Exit mobile version