البطاقة الخضراء .. حين كانت الرعاية الطبية عنواناً للاهتمام بالعاملين في الطيران المدني
مصطفى سليمان
في جلسة صفاء إسفيرية امتزجت فيها الذكريات بالحنين، استعاد عدد من العاملين بشركة مطارات السودان المحدودة ملامح مرحلة وصفوها بـ”العهد الذهبي” للطيران المدني السوداني، حين كانت رعاية العامل تمثل أولوية حقيقية، وكانت الخدمات المقدمة له ولأسرته تعكس تقديراً لدوره في هذا القطاع الحيوي.
بين قرارٍ انتقائي… وصمتٍ إداري: من يمثل العاملين بسلطة الطيران المدني حقاً؟
ومن أبرز ما تم تداوله “البطاقة الخضراء”، التي كانت تمثل نظاماً علاجياً متكاملاً، وظلت محفورة في ذاكرة العاملين بوصفها أحد أفضل برامج الرعاية الصحية التي عرفها قطاع الطيران المدني.
ويسترجع العاملون تفاصيل تلك المنظومة التي ازدهرت، خاصة في منتصف تسعينيات القرن الماضي، حيث لم تكن البطاقة الخضراء مجرد بطاقة بلاستيكية، وإنما كانت دفتراً يضم بيانات الأسرة كاملة ” الزوجة والأبناء دون سقف محدد للعدد، مع خانات مخصصة للزوجات، إضافة إلى الوالدين ” ، ويذكر البعض أنها كانت تشمل كذلك الإخوة و الأخوات ضمن مظلة الرعاية.
وكانت الإجراءات الإدارية والفنية في غاية البساطة، وتعتمد بالكامل على النظام الورقي. فلكل طبيب سجل خاص يوقع فيه المستفيد عند تلقي الخدمة، وكانت إجراءات التعاقد مع الأطباء تتم بسهولة ويسر، حتى إن أي طبيب يرغب في الانضمام إلى منظومة العلاج الخاصة بالطيران المدني كان يجد أبواب التعاقد مفتوحة.
أما على مستوى الخدمات، فقد كانت المنظومة العلاجية شاملة بحق؛ إذ كانت العيادات الخارجية (Outpatient) تقدم خدماتها مجاناً، والأدوية تصرف مجاناً، والفحوصات الطبية مجانية، بينما كانت العمليات الجراحية مدعومة بدرجة كبيرة، الأمر الذي خفف الأعباء المالية عن العاملين وأسرهم، وجعل الرعاية الصحية إحدى أهم المزايا التي يتمتع بها منسوبو الطيران المدني آنذاك.
كما كانت منظومة العلاج تعتمد على شبكة واسعة من التعاقدات مع نخبة من كبار الأطباء والاستشاريين في مختلف التخصصات، إلى جانب أفضل المعامل الطبية والصيدليات والمستشفيات لاستقبال الحالات الحرجة، فضلاً عن خدمات البصريات وغيرها من الخدمات الصحية، بما يوفر منظومة علاجية متكاملة تلبي احتياجات العامل وأسرته.
وتحظى صيدلية المطار بذكر خاص في تلك الذكريات، إذ يروي العاملون أنها كانت توفر معظم أنواع الأدوية بصورة منتظمة، وأسهمت في تخفيف الأعباء العلاجية عن الموظفين، وقدمت خدمات جليلة ظل أثرها باقياً في نفوس المستفيدين منها.
ولم يكن التعاقد مع الطيران المدني مكسباً للعاملين وحدهم، بل كان أيضاً محل فخر واهتمام من مقدمي الخدمة الطبية. فقد كانت البطاقة الخضراء تحظى باحترام كبير لدى الأطباء والمستشفيات والصيدليات، وكان كثيرون يتطلعون إلى الانضمام إلى منظومة العلاج الخاصة بالطيران المدني لما تتمتع به من سمعة طيبة وانتظام في التعامل.
ويتذكر العاملون أيضاً أن العلاقة بين إدارة الطيران المدني ومقدمي الخدمات الطبية لم تكن مجرد علاقة تعاقدية، بل كانت تقوم على الود والاحترام المتبادل. بل إن بعض كبار الأطباء كانوا يحظون بتقدير خاص، من خلال منحهم تذاكر سفر مجانية أو بطاقات دخول إلى المطار، في لفتات عززت روح الشراكة والتقدير المتبادل.
واليوم، وبينما يسترجع العاملون تلك المرحلة، لا يفعلون ذلك بدافع الحنين إلى الماضي فحسب، وإنما للتأكيد على أن الاستثمار في صحة العامل ورعايته ليس رفاهية، بل هو ركيزة أساسية لنجاح أي مؤسسة. فالعناية بالعنصر البشري كانت، وما تزال، أحد أهم أسرار تميز الطيران المدني في تلك الحقبة التي ما زال الكثيرون يصفونها بالعهد الذهبي.
ويبقى السؤال الذي يردده العاملون كلما استعادوا تلك الذكريات :
هل يا ترى سيعود ذلك الزمن مرة أخرى
وهل ستشهد شركة مطارات السودان المحدودة عودة منظومة الرعاية الصحية المتكاملة التي كانت تضرب بها الأمثال، فتستعيد الخدمات الطبية مكانتها بما يليق بالعاملين الذين ظلوا يقدمون الكثير لهذا القطاع؟
قد تختلف الظروف وتتغير الإمكانات، لكن يبقى الأمل قائماً في أن تعود ثقافة الاهتمام بالإنسان، وأن تصبح صحة العامل وكرامته ورفاهيته أولوية كما كانت في ذلك العهد الذي ما زال محفوراً في ذاكرة كل من عايشه. فالمؤسسات العظيمة تُبنى بالإنسان أولاً، وتظل رعايته وتقديره الاستثمار الأكثر استدامة في مسيرة النجاح …
