قراءة في قرار حكومة جنوب السودان باعتماد الدولار في سوق السفر… الدوافع والتداعيات والدروس للسودان
إبراهيم عدلان
أصدرت سلطات الطيران المدني في جنوب السودان قرارًا وجّهت بموجبه شركات الطيران العاملة في البلاد إلى اعتماد الدولار الأمريكي في جميع معاملات بيع تذاكر السفر والخدمات الجوية، بدلاً من الجنيه الجنوب سوداني. وقد صدر القرار في منتصف يونيو من هذا العام، ويستحق التوقف عنده لما يحمله من دلالات اقتصادية ومالية تتجاوز قطاع الطيران إلى مجمل الاقتصاد الوطني.
حرارة تصل إلى 45 درجة.. تحذيرات من تأثيرات خطيرة على الزراعة في مصر
من الناحية الفنية، يمكن النظر إلى القرار باعتباره اعترافًا ضمنيًا بأن العملة المحلية لم تعد قادرة على أداء إحدى أهم وظائفها في قطاع يعتمد بصورة شبه كاملة على العملات الأجنبية. فمعظم التكاليف التشغيلية لشركات الطيران، من وقود وصيانة وتأمين وإيجار للطائرات ورسوم ملاحة وخدمات أرضية، تُسدد بالدولار الأمريكي أو بعملات مرتبطة به. وبالتالي فإن بيع التذاكر بالعملة المحلية في ظل تذبذب سعر الصرف يعرّض شركات الطيران لخسائر فورية قد تلتهم هامش الربح، بل وقد تهدد استمرارية التشغيل.
كما يسعى القرار إلى تحييد مخاطر تقلبات سعر الصرف، وهي من أكبر التحديات التي تواجه صناعة الطيران في الاقتصادات الهشة. فعندما تُباع التذاكر بالجنيه الجنوب سوداني ثم تتراجع قيمته قبل تحويل الإيرادات إلى الدولار، تتحمل شركات الطيران خسائر لا علاقة لها بكفاءة التشغيل، وإنما بضعف العملة الوطنية.
ومن ناحية أخرى، يحقق القرار قدرًا من الشفافية في التسعير، إذ تصبح أسعار التذاكر مرتبطة مباشرة بالعملة التي تُحتسب بها التكلفة الحقيقية، بدلاً من تعديل الأسعار بصورة شبه يومية لملاحقة تغيرات سوق الصرف.
غير أن القرار، رغم وجاهته من الناحية التشغيلية، يحمل آثارًا اجتماعية واقتصادية لا يمكن تجاهلها. فالمواطن الذي يتقاضى دخله بالجنيه الجنوب سوداني سيجد نفسه مضطرًا إلى البحث عن الدولار في سوق تعاني أصلاً من شح النقد الأجنبي، وهو ما قد يرفع تكلفة السفر ويقلص الطلب على النقل الجوي، خاصة في الرحلات الداخلية.
كما يمثل القرار خطوة إضافية نحو ما يعرف بـ«الدولرة الجزئية»، حيث تبدأ القطاعات الأكثر ارتباطًا بالاقتصاد العالمي بالتخلي تدريجيًا عن العملة الوطنية. وقد يحقق ذلك استقرارًا مؤقتًا لتلك القطاعات، لكنه في المقابل يبعث برسالة سلبية عن مستوى الثقة في العملة المحلية، ويضعف قدرة البنك المركزي على إدارة السياسة النقدية.
غير أن هذا القرار يثير سؤالاً أكبر من قطاع الطيران نفسه: هل تستطيع سلطة الطيران المدني، منفردة، فرض التعامل بالدولار في سوق السفر بينما بقية الاقتصاد لا تزال تتعامل بالعملة الوطنية؟
الإجابة، في تقديري، أن نجاح مثل هذا القرار لا تحدده سلطة الطيران المدني، وإنما تحدده طبيعة الاقتصاد نفسه. فإذا كان الدولار قد أصبح بالفعل العملة المتداولة في التجارة والاستيراد والفنادق والخدمات الكبرى، فإن القرار لا يعدو أن يكون تقنينًا لواقع فرضه السوق. أما إذا كانت بقية الأنشطة الاقتصادية لا تزال تعتمد على العملة الوطنية، فإن فرض الدولار في قطاع واحد قد يخلق تشوهات في السوق، ويوسع نشاط السوق الموازية، ويزيد من صعوبة حصول المواطنين على النقد الأجنبي.
جنوب السودان… هل يسير على خطى الآخرين؟
قرار جنوب السودان ليس سابقة في الاقتصاد العالمي. فقد سبقت إليه دول عديدة واجهت أزمات نقدية حادة، وإن اختلفت الأسباب والنتائج.
في زيمبابوي، أدى التضخم الجامح إلى انهيار كامل للعملة الوطنية، فاضطرت الحكومة إلى السماح بالتعامل بالدولار الأمريكي وعدة عملات أجنبية. وقد نجحت هذه الخطوة في وقف الانهيار واستعادة قدر من الاستقرار، لكنها أفقدت الدولة أهم أدواتها في إدارة السياسة النقدية.
أما في لبنان، فلم يصدر قرار رسمي بإلغاء الليرة، لكنها فقدت عمليًا جزءًا كبيرًا من قدرتها الشرائية، فأصبحت تذاكر السفر والخدمات المرتبطة بالطيران تُسعّر بالدولار أو بما يعادله. ولم يكن ذلك قرارًا صادرًا من سلطة الطيران، بل كان استجابة لواقع فرضه السوق.
وفي فنزويلا، سبقت الأسواق الحكومة إلى الدولرة. فمع الانهيار الاقتصادي والتضخم المفرط، أصبح الدولار هو وسيلة التعامل الفعلية في قطاعات واسعة من الاقتصاد، بما فيها خدمات النقل، قبل أن تعترف السلطات بهذا الواقع.
أما نيجيريا فقد قدمت نموذجًا مختلفًا، إذ لم تكن المشكلة في انهيار العملة فحسب، وإنما في صعوبة تحويل الإيرادات إلى الخارج. فقد تراكمت مليارات الدولارات المستحقة لشركات الطيران الأجنبية بسبب القيود المفروضة على النقد الأجنبي، ما دفع بعض الناقلات إلى تقليص رحلاتها أو تعديل سياسات البيع حتى تدخلت الحكومة لمعالجة الأزمة.
وتقودنا هذه التجارب إلى نتيجة مهمة، وهي أن قطاع الطيران لا يصنع الأزمة الاقتصادية، وإنما يكشفها مبكرًا. فهو قطاع عالمي تُسدد معظم التزاماته بالدولار، ولذلك يكون أول من يتأثر عندما تفقد العملة الوطنية استقرارها.
ماذا عن السودان؟
هنا يبرز البعد السوداني لهذا القرار. فالسودان يواجه ظروفًا لا تختلف كثيرًا من حيث شح النقد الأجنبي، وتقلبات سعر الصرف، واعتماد صناعة الطيران على مدخلات تُسعّر بالكامل تقريبًا بالدولار الأمريكي.
ومن ثم يبرز سؤال مشروع: هل يمكن أن تتجه السلطات السودانية إلى إصدار قرار مماثل؟
من الناحية الفنية، نعم. أما من الناحية الاقتصادية، فإن الأمر أكثر تعقيدًا. فنجاح مثل هذا القرار يتطلب أن يكون جزءًا من سياسة اقتصادية متكاملة، تشارك فيها وزارة المالية وبنك السودان المركزي والجهات الاقتصادية المختصة، وليس مجرد قرار تنظيمي يصدر عن سلطة الطيران المدني.
كما يتطلب وجود قنوات مصرفية رسمية توفر الدولار للمواطنين وشركات السفر، وإلا فإن القرار قد يؤدي إلى زيادة الاعتماد على السوق الموازية، وارتفاع تكلفة السفر، وتراجع الطلب على النقل الجوي.
والأهم من ذلك أن سوق السفر لا يعمل في عزلة عن بقية الاقتصاد. فهو مرآة لحركة التجارة والاستثمار والسياحة والتحويلات. ولذلك فإن تغيير عملة التعامل في قطاع الطيران بينما تبقى بقية القطاعات تعمل بعملة مختلفة قد يخلق ازدواجية في السوق بدلاً من أن يعالج المشكلة.
خاتمة
قرار جنوب السودان يعكس واقعًا اقتصاديًا أكثر مما يعبر عن خيار تنظيمي. فهو محاولة لحماية قطاع الطيران من تقلبات سعر الصرف، لكنه في الوقت نفسه يمثل مؤشرًا على تراجع قدرة العملة الوطنية على أداء وظائفها الأساسية.
والتجارب العالمية تؤكد أن الدولرة ليست سياسة اقتصادية في حد ذاتها، وإنما نتيجة لاختلالات أعمق في الاقتصاد الكلي. فقد تنجح في منح القطاعات الحيوية متنفسًا مؤقتًا، لكنها لا تستطيع وحدها علاج التضخم أو استقرار سعر الصرف أو إعادة الثقة في العملة الوطنية.
وبالنسبة للسودان، فإن السؤال الحقيقي لا ينبغي أن يكون: هل نعتمد الدولار في سوق السفر؟ وإنما: كيف نعيد للجنيه السوداني قدرته على أداء دوره الطبيعي حتى لا تضطر القطاعات الحيوية إلى البحث عن بدائل؟
ذلك هو التحدي الحقيقي، وهو ما ينبغي أن تنصرف إليه جهود الإصلاح الاقتصادي، لأن قوة الناقل الوطني تبدأ في النهاية من قوة الاقتصاد الوطني، وقوة الاقتصاد تبدأ من قوة عملته.
