جنوب السودان ومرحلة التحول السيادي في إدارة الأجواء: ماذا جرى لشركة NavPass وما تأثير ذلك على السودان؟

جنوب السودان ومرحلة التحول السيادي في إدارة الأجواء: ماذا جرى لشركة NavPass وما تأثير ذلك على السودان؟
إبراهيم عدلان
تشهد جمهورية جنوب السودان تحولًا متسارعًا في قطاع الطيران المدني، خصوصًا في مجال إدارة الحركة الجوية والسيطرة على المجال الجوي، وهو تحول يثير تساؤلات مهمة حول مستقبل شركة NavPass ودورها، وكذلك انعكاسات هذا التحول على السودان ومستقبل الملاحة الجوية في المنطقة.
ابراهيم عدلان يكتب: أن تأتي متأخراً خيرٌ من أن لا تأتي… “والخيل تجقلب والشكر لحمّاد”
ففي عام 2021، وقّعت حكومة جنوب السودان عبر سلطة الطيران المدني اتفاقية مهمة مع شركة NavPass هدفت إلى:
- بسط السيادة على المجال الجوي،
- تحديث أنظمة إدارة الحركة الجوية،
- إنشاء أنظمة حديثة لتحصيل رسوم عبور الطائرات،
- وتطوير منظومات المراقبة والاتصالات والملاحة الجوية.
وجاءت تلك الخطوة في وقت كانت فيه جنوب السودان تسعى لبناء مؤسساتها السيادية بعد سنوات من التحديات السياسية والفنية، حيث لم تكن تمتلك آنذاك منظومة متكاملة وفعالة لإدارة الأجواء أو تحصيل العائدات الناتجة عن الطيران العابر.
وقدّمت NavPass نفسها كشريك تقني قادر على إدخال حلول حديثة تعتمد على الأتمتة والرقمنة والذكاء الاصطناعي في إدارة بيانات الطيران وتحسين كفاءة تحصيل رسوم الملاحة الجوية.
لكن خلال الفترة الأخيرة، بدأت مؤشرات واضحة تظهر بأن جنوب السودان يتحرك تدريجيًا نحو مرحلة جديدة تقوم على الإدارة الوطنية المباشرة للمجال الجوي، حيث:
- تصاعد الحديث الرسمي عن السيادة الكاملة على الأجواء،
- وأعلنت السلطات تخفيض رسوم الملاحة الجوية ضمن برنامج إصلاح اقتصادي لقطاع الطيران،
- كما أصبحت التصريحات الحكومية تركز على مشاريع وطنية واتفاقيات دولية جديدة دون إبراز اسم NavPass كما كان يحدث في السابق.
ولا توجد معلومات رسمية تؤكد إنهاء العلاقة مع الشركة أو إلغاء الاتفاقية، إلا أن المؤشرات توحي بأن دور NavPass ربما أصبح:
- دورًا تقنيًا محدودًا،
- أو شراكة انتقالية مؤقتة،
- أو أن بعض بنود الاتفاق خضعت لإعادة تفاوض مع تطور قدرات جنوب السودان الفنية والمؤسسية.
كما ظهرت بعض الانتقادات الإقليمية لفكرة إسناد ملفات حساسة مثل إدارة عائدات الأجواء لشركات أجنبية، باعتبار أن ذلك قد يثير تساؤلات تتعلق بالسيادة والشفافية والتحكم في البيانات الملاحية، وهي قضايا تزداد حساسيتها في قطاع الطيران المدني عالميًا.
ومن منظور استراتيجي، فإن ما يجري في جنوب السودان لا يتعلق بشركة واحدة فقط، بل يعكس تحولًا أوسع نحو بناء دولة تمتلك:
- سيطرة كاملة على مجالها الجوي،
- ونظمًا مستقلة لتحصيل عائدات العبور،
- وبنية حديثة لخدمات الملاحة الجوية وفق معايير International Civil Aviation Organization.
ماذا يعني ذلك بالنسبة للسودان؟
يمثل هذا التطور أهمية خاصة للسودان، لعدة أسباب استراتيجية وفنية واقتصادية.
أولًا: تراجع الاعتماد التقليدي على السودان
تاريخيًا، ظل السودان يمتلك ثقلًا كبيرًا في مجال الملاحة الجوية بالمنطقة بفضل:
- موقعه الجغرافي،
- وخبراته الفنية،
- وبنيته المؤسسية الأقدم.
لكن جنوب السودان يتحرك اليوم نحو بناء منظومة مستقلة بالكامل، تشمل:
- مراكز مراقبة جوية،
- أنظمة CNS/ATM حديثة،
- وآليات مستقلة لتحصيل رسوم العبور.
وهذا قد يقلل تدريجيًا من الاعتماد الفني والتشغيلي على السودان.
ثانيًا: بروز لاعب إقليمي جديد
إذا نجح جنوب السودان في استكمال مشروع تحديث الطيران المدني، فقد يتحول إلى لاعب إقليمي مؤثر في شرق إفريقيا، خاصة مع:
- قربه من مسارات الطيران الإقليمية،
- وإمكانية تطوير أجوائه كممر عبور مهم مستقبلاً.
وقد يدفع ذلك بعض الدول إلى إعادة النظر في توزيع المسارات الجوية وعلاقات الملاحة الإقليمية.
ثالثًا: تأثير محتمل على عائدات العبور السودانية
يُعد السودان من أهم دول العبور الجوي في إفريقيا، لكن أي تحديثات إقليمية في إدارة الأجواء قد تؤثر مستقبلًا على:
- حجم الحركة العابرة،
- وأنماط المسارات الجوية،
- وعائدات الملاحة الجوية.
ورغم أن المجال الجوي السوداني ما يزال يتمتع بثقل استراتيجي كبير، فإن المنافسة الإقليمية في خدمات الملاحة أصبحت أكثر وضوحًا.
رابعًا: فرصة للتكامل لا للمواجهة
في المقابل، يمكن للسودان أن ينظر إلى هذه التطورات باعتبارها فرصة للتعاون الإقليمي بدلًا من التنافس السلبي، خاصة أن السودان يمتلك:
- خبرات بشرية متراكمة،
- كوادر مراقبة جوية وهندسية مؤهلة،
- وتجربة طويلة في إدارة الحركة الجوية.
ومن الممكن مستقبلاً بناء شراكات في:
- التدريب،
- تبادل البيانات الملاحية،
- التنسيق الإقليمي للطوارئ،
- وربط أنظمة الملاحة الجوية بين البلدين.
رسالة استراتيجية للسودان
ما يحدث في جنوب السودان يرسل رسالة واضحة بأن المنطقة تتجه بسرعة نحو:
- الأتمتة،
- والتحول الرقمي،
- وتعزيز السيادة على الأجواء،
- وتحديث إدارة العائدات الملاحية.
ولذلك، فإن إعادة تأهيل قطاع الطيران المدني السوداني بعد الحرب، وتحديث أنظمة الملاحة الجوية، وإعادة بناء مطار الخرطوم وفق المعايير الحديثة، لم تعد مجرد قضية تشغيلية، بل أصبحت قضية سيادة ومنافسة إقليمية وأمن اقتصادي.
وفي نهاية المطاف، فإن أفضل سيناريو للسودان وجنوب السودان ليس الصراع حول الأجواء، بل بناء نموذج تكاملي ذكي يحافظ على المصالح المشتركة، ويمنع أي فراغ قد تستفيد منه شركات أو أطراف خارجية للسيطرة على مفاصل حيوية في إدارة المجال الجوي بالمنطقة..


