هكذا سوف تُقسَّم بلادنا

لطالما كنت أفكر كيف استطاع الغرب الضحك على العرب وإدخالهم في معركة مع الدولة العثمانية، ومن بعدها تقسيم المناطق التي تخلت عنها الدولة العثمانية إلى دول متعددة.

كان دائمًا يخطر في بالي أن السبب هو الحكام الذين عيَّنهم الاحتلال بعد خروجه من أراضينا. فعلى سبيل المثال الأردن نشأ لإرضاء الملك حسين بعد أن قاد الثورة العربية الكبرى وخرج منها بخُفي حنين. أما الدولتان الجّارتان سوريا والعراق واللتان كانتا تحت حكم حزب البعث الذي كان يدعو للوحدة أوجد حافظ الأسد وصدام حسين كذبة اليمين واليسار كي لا يتوحدوا.

ما قبل الربيع العربي قرأت عن مخطط غربي لتقسيم هذه الدول لدويلات صغيرة، فمثلًا سوريا ستصبح 4 دويلات، والعراق ثلاث، وكذلك السعودية، ومصر، والسودان، وليبيا، واليمن. وبعد أن أنهيت قراءة هذا الخبر تبسَّمت وقلت في نفسي إنَّ هذا المخطط عبارة عن خيال علمي لا يمكن تطبيقه على أرض الواقع! ليس لأنَّ الحكام جيدون، ولكن لأنني مقتنع أننا جيل واعٍ وسوف نمنع حدوث ذلك، فنحن نختلف عن آبائنا الذين سكتوا.

كنا نتكلم دومًا عن فساد الحكام في الوطن العربي، ونعلم بأن ظلمهم لن يدوم، وأن مصير الطغاة إلى الزوال، وبأننا جيل التغيير. انطلقت شرارة الربيع العربي من تونس الخضراء، وكانت فرحتنا لا توصف، لقد انتفض جيلنا وفتح جناحيه وبدأ يرفرف بها ليستعد للطيران في سماء الحرية، ومع كل رفرفة تنتقل الثورة إلى بلد عربي آخر.

بعد سقوط مبارك كانت فرحتنا لا توصف، فهو أحد أعتى أعمدة الفساد في الوطن العربي، وبالتالي ستسقط باقي الأعمدة واحد تلوَ الآخر. ولكن للأسف لم تكتمل فرحتنا، وآل الوضع إلى ما عليه الآن.

فمن السبب يا ترى هل هم الحكام والغرب المتآمر؟

للأسف لا، السبب هو نحن، الشعب، ولكي نعرف الأسباب نعود لنقرأ الأحداث في دول الربيع العربي.

· تونس بعد أن حُكمت من حكومة جديدة عاد الشعب واختار النظام القديم ليعود للحكم من جديد، وكأن شيئًا لم يكن!

· ليبيا بعد مقتل القذافي انقلب الشعب على حكومة الثورة وأعاد النظام القديم تشكيل نفسه بقيادة حفتر، وها هو اليوم ابن القذافي حرًّا طليقًا، وفي القريب العاجل سيعود للحكم ليُكمل مسيرة والده، وتعود ليبيا إلى سيرتها القديمة، بينما غالبية الشعب الليبي يتفرج، وكأنه فيلم (أكشن) يعرض في السينما ولا يخصهم أبدًا.

· مصر بعد أن تغلبت على مبارك وعلى المجلس العسكري انتخبت أول رئيس شرعي للبلاد، ولكن عامة الشعب طلب منه المعجزات فما كان من العسكر إلا أن ركب الموجة وأسقط الرئيس، ووضعوا السيسي مكانه والشعب يطبل ويزمر لهذا النصر العظيم. أول ما قام به السيسي إطلاق سراح حسني مبارك وجماعته، ومن ثم أغرق مصر بالديون، والآن يسير بها إلى طريق الهاوية بسرعة جنونية، وعامة الشعب سكتت ورضخت للأمر الواقع وعادت مصر لسيرتها الأولى.

· سوريا واليمن شلال دم مستمر.

الآن إن توجهنا لشعبي سوريا واليمن مثلًا وسألناهم ما رأيكم أن نقسم البلد وتعود الحياة هادئة كما كانت، فإن الغالبية العظمى سوف توافق. بالنسبة لمصر فإن استمرَّ السيسي بالحكم فسوف تعيش أيام أكثر سوداوية من سوريا، وستكون مؤهلة جدًا للتقسيم وستكون غالبية الشعب المصري موافقة عليه.

أما فيما يخص السعودية التي لطالما كانت مستقرة فإن المشكلة الأخيرة مع قطر أظهرت هشاشة هذا الاستقرار، ومدى سوء التخطيط الاستراتيجي لديها، وهذا يذكرنا بمشكلة العراق والكويت وكيف كانت هذه المشكلة الفتيل الذي أشعل العراق، وانتهى بتقسيمه، وهذا ما سوف تؤول له الأوضاع في الخليج، وطبعًا الشعب الخليجي يطبل لحكامه ويسير وراءهم بأعين مغلقة نحو الهاوية.

وختامًا يمكنني القول الآن إن آباءنا كانوا سبب تقسيم بلادنا للمرة الأولى، ونحن سنكون السبب في تقسيم بلادنا للمرة الثانية.

أرجو من الله أن يتخلص وطننا العربي من السفاحين الذين يحكمونه لتتمكن القلة المتبقية من زهور الربيع العربي من إعادة الحياة من جديد لربيعنا العربي.
ساسة بوست




رنا طه

محرر بشبكة سودافاكس الإخبارية ، الشبكة الاولى في متابعة الأحداث والتغطيات

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.