تأمين الطيران في السودان .. من حماية الطائرات إلى إعادة إعمار المطارات بعد الحرب

عندما يتحدث الناس عن ارتفاع أسعار تذاكر السفر، فإن أول ما يتبادر إلى الأذهان هو ارتفاع أسعار الوقود أو انخفاض قيمة العملة أو قلة عدد الطائرات.
غير أن هناك عنصراً أساسياً لا يقل أهمية عن هذه العوامل، و هو تكلفة التأمين على الطائرات، التي تعد أحد أكبر بنود الإنفاق في صناعة النقل الجوي، خاصة في الدول التي تشهد نزاعات أو أوضاعاً أمنية غير مستقرة.
و يعد تأمين الطيران من أكثر أنواع التأمين تخصصاً و تعقيداً، لأنه يتعامل مع أصول تبلغ قيمتها عشرات أو مئات الملايين من الدولارات، إلى جانب مسؤوليات قانونية قد تتجاوز قيمة الطائرة نفسها.
و لهذا يعتمد على أسواق إعادة التأمين العالمية، و في مقدمتها سوق لندن، التي تحدد إلى حد كبير أسعار وشروط التأمين في العالم.
ما هو تأمين الطيران؟
تأمين الطيران ليس وثيقة واحدة، بل هو منظومة متكاملة من التغطيات التأمينية التي تحمي الطائرة، وشركة الطيران، و المطار، و الركاب، و العاملين، و االأطراف الأخرى المرتبطة بعمليات التشغيل.
ومن أهم أنواع هذه التغطيات:
أولاً: تأمين جسم الطائرة (Hull Insurance)
يغطي هذا النوع الطائرة نفسها باعتبارها أصلاً مالياً. فإذا تعرضت لحادث أدى إلى تلفها أو تدميرها، تتولى شركة التأمين تعويض مالك الطائرة عن قيمة الإصلاح أو قيمة الطائرة في حالة الهلاك الكلي. و يشمل الحوادث، و الاصطدام، و الحريق، و الخروج عن المدرج، و غيرها من الأخطار التشغيلية.
ثانياً: تأمين المسؤوليات (Liabilities Insurance)
و يختلف تماماً عن تأمين جسم الطائرة، إذ لا يغطي الطائرة نفسها، و إنما يغطي المسؤولية القانونية المترتبة على تشغيلها. ويشمل تعويض الركاب عند الوفاة أو الإصابة، وتعويض أصحاب الأمتعة و البضائع، و كذلك تعويض الأشخاص أو الممتلكات على الأرض إذا تضررت نتيجة حادث للطائرة.
و باختصار:
- Hull Insurance يحمي الطائرة.
- Liabilities Insurance يحمي شركة الطيران من المطالبات القانونية.
و قد يقع حادث واحد يؤدي إلى خسارة الطائرة بالكامل، و في الوقت نفسه تنشأ عنه مطالبات بملايين الدولارات من الركاب أو الطرف الثالث، و لذلك فإن الوثيقتين تكملان بعضهما و لا تغني إحداهما عن الأخرى.
ثالثاً: تأمين أخطار الحرب (Hull War Insurance)
يغطي الخسائر الناتجة عن الحرب، والأعمال العدائية، و الإرهاب، و الصواريخ، و التخريب، و هي أخطار لا تشملها وثيقة تأمين جسم الطائرة العادية إلا إذا أضيفت بتغطية مستقلة.
و قد أصبح هذا النوع من التأمين الأكثر أهمية و الأعلى تكلفة بالنسبة للطيران السوداني منذ اندلاع الحرب.
رابعاً: التغطيات الأخرى
و تشمل كذلك:
- تأمين التحمل (Hull Deductible Insurance).
- تأمين فقدان الرخصة (Loss of Licence).
- تأمين الحوادث الشخصية لأفراد الطاقم.
- تأمين مسؤولية المطارات (Airport Legal Liability).
- تأمين مسؤولية شركات المناولة الأرضية (Ground Handling Liability).
- تأمين مسؤولية الصيانة وحظائر الطائرات (Hangarkeeper & Maintenance Liability).
- تأمين مسؤولية تزويد الطائرات بالوقود (Refuelling Liability).
و جميع هذه الوثائق تعمل معاً لتوفير مظلة حماية متكاملة لصناعة النقل الجوي.
ماذا عن تأمين المطارات والبنية التحتية؟
لا يقتصر تأمين الطيران على الطائرات فقط، فالمطار نفسه يعد أحد أكبر الاستثمارات في قطاع الطيران، ويضم أصولاً تقدر قيمتها بمئات الملايين من الدولارات، تشمل مباني الركاب، وأبراج المراقبة، ومراكز المراقبة الجوية، ومحطات الكهرباء، ومخازن الوقود، ومنظومات الملاحة الجوية، والرادارات، وأجهزة الاتصالات، و سيارات الإطفاء و الإنقاذ، والمعدات الأرضية.
و لهذا توجد وثائق تأمين متخصصة تغطي هذه الأصول، ومن أهمها:
- تأمين ممتلكات المطار (Airport Property Insurance) الذي يغطي مباني المطار والمنشآت والمرافق الثابتة.
- تأمين المعدات الأرضية (Ground Support Equipment Insurance) ويشمل معدات خدمة الطائرات مثل جرارات السحب، وسلالم الركاب، ومولدات الطاقة الأرضية، ومعدات الشحن والتحميل.
- تأمين معدات وأنظمة الملاحة الجوية (Air Navigation Equipment Insurance) ويغطي الرادارات، و أجهزة الاتصال، و أنظمة الهبوط، ومحطات الأرصاد الجوية، ومراكز المراقبة الجوية، و غيرها من المعدات الحيوية.
- تأمين مسؤولية المطارات (Airport Legal Liability Insurance) الذي يحمي مشغل المطار من المطالبات القانونية إذا ترتب على إهمال أو تقصير في التشغيل وقوع خسائر لشركات الطيران أو الركاب أو الأطراف الأخرى.
و من المهم التمييز بين التأمين على ممتلكات المطار، الذي يعوض عن الأضرار التي تصيب المباني و المعدات، و تأمين المسؤولية، الذي يغطي التعويضات المستحقة للغير نتيجة المسؤولية القانونية.
الحرب… و اختبار غير مسبوق للتأمين
قبل اندلاع الحرب في السودان، كانت شركات الطيران السودانية تحصل على التغطيات التأمينية وفق مستويات مخاطر مقبولة نسبياً، رغم أن أقساطها كانت أعلى من بعض الدول المستقرة.
لكن منذ أبريل 2023 تغير المشهد بالكامل بعد تدمير عدد من الطائرات المدنية داخل مطار الخرطوم، وتوقف الحركة الجوية، وتصنيف السودان ضمن مناطق النزاعات المسلحة من قبل أسواق التأمين و إعادة التأمين العالمية.
و لم تقتصر الخسائر على الطائرات، بل امتدت إلى مباني مطار الخرطوم، و صالات الركاب، وأبراج المراقبة، ومنظومات الملاحة الجوية و الاتصالات، و معدات المناولة الأرضية، و سيارات الإطفاء و الإنقاذ، و غيرها من الأصول الحيوية.
و بالتالي ارتفعت أقساط التأمين، خاصة تأمين أخطار الحرب، بصورة غير مسبوقة، كما فرض معيدو التأمين شروطاً أكثر صرامة لتقديم التغطيات.
لماذا ارتفعت أقساط التأمين؟
تعتمد شركات التأمين على تقييم المخاطر و كلما زادت احتمالات وقوع الخسائر ارتفع القسط التأميني.
و من أهم أسباب الزيادة:
- ارتفاع احتمال تدمير الطائرات والمعدات داخل المطارات.
- زيادة المخاطر التشغيلية.
- ارتفاع تكلفة إعادة التأمين العالمية.
- إدراج السودان ضمن المناطق عالية المخاطر.
- اشتراط تغطيات مستقلة لأخطار الحرب.
كيف انعكس ذلك على أسعار التذاكر؟
التأمين عنصر أساسي في تكلفة تشغيل أي رحلة جوية، إلى جانب الوقود والصيانة ورسوم المطارات والملاحة الجوية ورواتب العاملين.
و عندما ترتفع أقساط التأمين، لا تجد شركات الطيران بداً من تحميل جزء من هذه الزيادة على تكلفة المقعد، فتنعكس بصورة مباشرة أو غير مباشرة على أسعار التذاكر.
كما تؤدي هذه الزيادة إلى انخفاض القدرة التنافسية، وتقليص عدد الرحلات، وارتفاع تكلفة الشحن الجوي، وزيادة الأعباء على شركات المناولة الأرضية والمطارات ومقدمي الخدمات الفنية.
السلامة… أفضل استثمار لتخفيض تكلفة التأمين
تنظر شركات التأمين إلى مستوى السلامة باعتباره أحد أهم معايير التسعير.
فكلما التزمت الدولة و شركات الطيران بمعايير منظمة الطيران المدني الدولي (ICAO)، و ارتفع مستوى الصيانة و التدريب و إدارة المخاطر، انخفضت احتمالات الخسائر، و بالتالي انخفضت أقساط التأمين.
و لهذا فإن الاستثمار في السلامة الجوية ليس التزاماً تنظيمياً فحسب، بل هو استثمار اقتصادي ينعكس مباشرة على تكلفة التشغيل و على أسعار السفر.
سؤال ينتظر الإجابة
بعد أكثر من ثلاث سنوات على اندلاع الحرب، يبرز سؤال مشروع يستحق أن يطرح بشفافية:
هل حصلت سلطة الطيران المدني، وشركة مطارات السودان المحدودة، وشركات الطيران، وشركات المناولة الأرضية، وغيرها من المؤسسات التي تضررت، على التعويضات التأمينية المستحقة عن خسائر الحرب؟
و هل كانت الطائرات، ومباني المطارات، و أجهزة الملاحة الجوية، و المعدات الأرضية، مشمولة بتغطيات تأمينية سارية تشمل أخطار الحرب، أم أن هذه الأخطار كانت مستثناة من الوثائق؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة لا تهم شركات التأمين وحدها، بل تهم كل من يسعى إلى إعادة إعمار قطاع الطيران المدني السوداني، لأن التعويضات التأمينية – إذا كانت مستحقة و تم تحصيلها – يمكن أن تمثل أحد أهم مصادر التمويل لإعادة بناء المطارات، و استعادة أنظمة الملاحة الجوية، و تعويض جزء من الخسائر التي لحقت بهذا القطاع الحيوي.
و لعل الوقت قد حان لأن تُعرض هذه الحقائق بشفافية أمام الرأي العام، ليس بهدف البحث عن المسؤوليات فحسب، و إنما لوضع الأساس المالي السليم لإعادة بناء قطاع الطيران المدني، باعتباره أحد أهم مفاتيح تعافي الاقتصاد السوداني و عودة البلاد إلى محيطها الإقليمي و الدولي.
طيران بلدنا



