قطاع الطيران المدني السوداني خارج المشهد.من يتحمل مسؤولية الغياب؟

بينما كانت القاهرة هذا الأسبوع تتحول إلى عاصمة للطيران الأفريقي، مستضيفةً أكبر تجمع لقيادات الطيران المدني في القارة تحت مظلة منظمة الطيران المدني الدولي (ICAO)، فيما يُعرف بالنسخة الحادية عشرة لأسبوع الطيران لأفريقيا والمحيط الهندي، كان السودان، الدولة التي تعرض قطاعها الجوي لأكبر انتكاسة في تاريخه الحديث بعد تدمير مليشيا الدعم السريع لمركز الملاحة الجوية ومطار الخرطوم و العديد من المطارات الأخرى، وتدمير أكثر من 80% من أساطيل الشركات السودانية، غائبًا عن المشهد بصورة تثير القلق أكثر مما تثير الدهشة.

و في الوقت الذي كانت فيه الدول الأفريقية تتنافس على تقديم مبادرات لجذب التمويل، وتطوير المطارات، و تحديث أنظمة الملاحة الجوية، وتوسيع شبكاتها الجوية، كان السودان يكتفي بمشاهدة المشهد من الخارج، دون أن يقدم مشروعًا وطنيًا واحدًا لإعادة إعمار قطاع الطيران، أو رؤية متكاملة لاستعادة أحد أهم القطاعات الاقتصادية و السيادية في الدولة.

يكشف هذا الغياب عن خلل مؤسسي عميق في إدارة قطاع الطيران السوداني.
فوزارة النقل مسؤولة عن سياسات النقل والناقل الوطني، بينما تخضع سلطة الطيران المدني وشركة المطارات السودانية لإشراف وزارة الدفاع، وفقًا لقرار مجلس الوزراء بتبعية السلطة و المطارات. و قد يكون لهذا الترتيب ما يبرره في ظروف استثنائية، لكنه، في المقابل، يفرض تحديًا واضحًا يتمثل في ضرورة وجود تنسيق استراتيجي عالي المستوى.
و عندما يغيب هذا التنسيق، يصبح القطاع بلا قيادة موحدة، و تتعدد مراكز القرار، و تتراجع القدرة على التحرك السريع أمام المؤسسات الدولية و الشركاء الإقليميين.
و النتيجة أن العالم كله يناقش مستقبل الطيران في أفريقيا و المحيط الهندي، بينما ينشغل السودان بإدارة واقع الأزمة، دون أن يفرض نفسه طرفًا في رسم مستقبل القطاع.

بين النفوذ غير الرسمي و إعادة الهيكلة .. تساؤلات مشروعة داخل شركة مطارات السودان المحدودة

و السؤال الذي يفرض نفسه هو: أين سلطة الطيران المدني السودانية، باعتبارها، وبحسب القانون، المسؤولة عن كافة شؤون الطيران المدني بالسودان؟ فأسبوع أفريقيا والمحيط الهندي للطيران ليس مؤتمرًا بروتوكوليًا، بل هو المنصة التي تُناقش فيها سياسات السلامة الجوية، و الملاحة الجوية، و المطارات، و التحول الرقمي، و الاستدامة، و بناء القدرات، و برامج الدعم الفني.
و هو أيضًا المكان الذي تُبنى فيه الشراكات، وتُعرض فيه مشروعات التمويل، و تُناقش فيه أولويات الدول الأفريقية فلم نسمع باي بيان اعن مشاركة السلطة و لم نسمع باي اوراق قدمت من قطاع الطيران بالسودان

إن غياب الحضور الفاعل في مثل هذه الاجتماعات لا يعني فقط فقدان مقعد في قاعة المؤتمر، و إنما فقدان فرصة للتأثير في القرارات، و الدفاع عن المصالح الوطنية، و استقطاب الدعم الدولي.

إن الأخطر من الغياب الدبلوماسي هو استمرار إغلاق أجزاء واسعة من المجال الجوي السوداني. فالمجال الجوي ليس مجرد فضاء تعبره الطائرات، بل أصل اقتصادي وسيادي يدر عائدات من رسوم الملاحة الجوية و خدمات العبور.
و كل يوم يستمر فيه الإغلاق يعني استمرار خسارة إيرادات كبيرة، فضلًا عن خسائر غير مباشرة تشمل المطارات، و الخدمات الأرضية، و الوقود، و الصيانة، و السياحة، و الاستثمار.

ففي الوقت الذي تتعرض فيه مطارات الشرق الأوسط للهجمات بالصواريخ والمسيرات، تظل أجواء تلك الدول مفتوحة، بينما يظل مجالنا الجوي ، ما عدا المجال الشرقي، مغلقًا، دون تحديد سقف زمني، على الرغم من تحرير كافة مدن الوسط والشمال والجنوب، وجزء كبير من الغرب في شمال وجنوب كردفان وعلي الرغم من تسيير الالاف من الرحلات خلال السنوات الماضية دون اي حادث او تدخل غير مشروع.

إن استمرار هذا الوضع، دون خارطة طريق معلنة لإعادة التشغيل، يثير تساؤلات حول مدى جاهزية القطاع لاستعادة دوره الطبيعي، وحول الخطوات العملية التي يجري اتخاذها بالتنسيق مع الشركاء الدوليين، و كأن الهيكل المؤقت أصبح أمرًا دائمًا، وليست هناك أي خطط أو محاولات لاستعادة هذه المؤسسة، التي تُعد من أهم مؤسسات الدولة، إلى كامل وضعها التشغيلي، على الرغم من استمرار دفع رواتب العاملين بها، و جزء من مستحقاتهم.

و على الجانب الآخر، فإنه من الإيجابي أن تسعى إدارة الخطوط الجوية السودانية إلى بناء شراكات عربية، كما ظهر في لقاءات المنتدى السوداني العربي للنقل الذكي، الذي انعقد بالسودان بفندق السلام روتانا.
و لم نسمع في الإعلام عن حضور سلطة الطيران المدني أو شركة المطارات، بوصفهما جزءًا أصيلًا من منظومة النقل الجوي بالسودان. و لكن الحقيقة التي ينبغي الاعتراف بها هي أن إعادة بناء قطاع النقل الجوي لا يمكن أن تقوم بها شركة طيران بمفردها.

فالناقل الوطني لا يستطيع التطور إذا كانت المطارات بحاجة إلى إعادة تأهيل، والملاحة الجوية تحتاج إلى تطوير، والمجال الجوي يواجه تحديات تشغيلية، و المؤسسات تعمل دون رؤية وطنية موحدة.
إن نجاح سودانير مرتبط بنجاح المنظومة بأكملها، وليس العكس.

إن السودان اليوم بحاجة إلى مشروع وطني يحمل عنوانًا واضحًا:

“البرنامج الوطني لإعادة إعمار قطاع الطيران المدني”.

برنامج يحدد الاحتياجات، ويقدر الكلفة، ويضع جدولًا زمنيًا، ويحدد مصادر التمويل، و يُعرض على منظمة الإيكاو، و الاتحاد الأفريقي، و جامعة الدول العربية، و البنوك التنموية داخل السودان وخارجه، و صناديق الاستثمار.
فحتى الآن، لا يرى المراقبون مشروعًا معلنًا بهذا الحجم، رغم أن الظروف الحالية تستدعي تحركًا استثنائيًا يوازي حجم التحديات.
لقد أثبتت تجارب الدول أن القطاعات التي تنهض سريعًا بعد الأزمات هي تلك التي تمتلك رؤية واضحة، ومؤسسات قادرة على التنسيق المشترك، وقيادةً تتحدث بصوت واحد.
أما استمرار إدارة الطيران السوداني بتعدد الجهات المشرفة، فسيؤدي حتمًا إلى تعدد القرارات، ويستهلك وقتًا في إعادة تصحيحها، مما يبطئ خطوات التعافي، بينما يمضي جيراننا بسرعة نحو تحديث مطاراتهم، و توسيع أساطيلهم، و تطوير أنظمة الملاحة الجوية، و جذب الاستثمارات.

ختامًا، فإن الطيران المدني ليس ملفًا فنيًا، و لا شأنًا يخص سلطة الطيران أو شركة المطارات أو سودانير وحدها، بل هو قضية أمن قومي، و اقتصاد، و سيادة، و تنمية.
و التاريخ لن يسأل: كم اجتماعًا عقدناه؟ بل سيسأل: لماذا غاب السودان عن أهم المنصات الدولية في أكثر المراحل التي كان يحتاج فيها إلى الدعم و الشراكات؟ و لماذا لم تتحول مأساة القطاع إلى مشروع وطني لإعادة الإعمار؟

إن السودان لا يحتاج اليوم إلى بيانات إعلامية بقدر ما يحتاج إلى مؤسسات موحدة، وخطة وطنية معلنة، و حضور فاعل في كل المحافل الدولية، حتى يستعيد مكانته في سماء أفريقيا و العالم، و يوقف نزيف الفرص و الإيرادات الذي لا يقل خطورة عن أي خسارة أخرى.

طيران بلدنا




تحرير سودافاكس

فريق التحرير في شبكة سودافاكس الإخبارية، المنصة الإعلامية الرقمية السودانية المستقلة التي تأسست عام 2012.يضطلع فريق التحرير بمتابعة الأحداث الجارية وتوثيقها لحظةً بلحظة، ويشمل ذلك الأخبار العاجلة والتقارير الإخبارية والبيانات الرسمية والمستجدات الميدانية في السودان والمنطقة العربية. يعمل الفريق وفق معايير الصحافة المهنية القائمة على الدقة في النقل والتحقق من المصادر، تحت إشراف رئيس التحرير حسن بشير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.