التوصية الثامنة من مؤتمر القاهرة… لماذا يجب على السودان الإسراع في تنفيذ نظام API/PNR؟

التوصية الثامنة من مؤتمر القاهرة… لماذا يجب على السودان الإسراع في تنفيذ نظام API/PNR؟
إبراهيم عدلان
من بين أهم مخرجات أسبوع الطيران الأفريقي الذي اختتم أعماله مؤخراً بالقاهرة، برزت أولوية تعزيز أمن الطيران وسلامته باعتبارهما الركيزة الأساسية لنمو النقل الجوي في القارة الأفريقية. وقد جاءت توصيات المؤتمر لتؤكد أن أمن الطيران في القرن الحادي والعشرين لم يعد يقتصر على أجهزة التفتيش وبوابات المطارات، وإنما أصبح يعتمد على نظم المعلومات الذكية، وتبادل البيانات، والتقييم المسبق للمخاطر.
ابراهيم عدلان: حول وصف شركة مطارات السودان المحدودة بالصفة التجارية
وفي هذا السياق، جاءت التوصية الثامنة لتدعو الدول الأفريقية إلى الإسراع في تطبيق نظامي معلومات الركاب المسبقة (Advance Passenger Information – API) وسجل أسماء الركاب (Passenger Name Record – PNR)، باعتبارهما من أهم الأدوات الحديثة لتعزيز أمن الطيران وأمن الحدود، وتبادل المعلومات بين الجهات المختصة.
هذه التوصية تؤكد ما ظللنا ننادي به منذ سنوات، ولكن ما قد لا يعلمه كثيرون أن السودان ليس في حاجة إلى البدء من الصفر، فقد قطع شوطاً مهماً في هذا الملف.
ففي أكتوبر 2020، وبعد دراسة فنية وأمنية مستفيضة، وقع السودان عقداً مع شركة Securiport المتخصصة عالمياً في حلول أمن الحدود وأنظمة API/PNR. وجاء اختيار الشركة بعد عمل لجنة وطنية ضمت ممثلين عن جهاز الأمن والمخابرات، والاستخبارات، والإدارة العامة للجوازات والسجل المدني، وهيئة الجمارك، إلى جانب الجهات الفنية المختصة، وذلك لضمان اختيار النظام الذي يلبي احتياجات السودان الأمنية والفنية والتشغيلية.
وللأسف، تعثر تنفيذ المشروع بسبب التأخير والمماطلات الإدارية، فضاعت سنوات كان يمكن خلالها أن يكون السودان ضمن الدول الأفريقية التي تطبق هذا النظام وتستفيد من مزاياه.
واليوم، وبعد أن أصبحت هذه الأنظمة إحدى التوصيات الرسمية الصادرة عن مؤتمر القاهرة، فإن الحكمة تقتضي عدم العودة إلى نقطة البداية أو الدخول في إجراءات جديدة تستغرق سنوات أخرى. وإذا كان العقد الموقع لا يزال قائماً من الناحية القانونية، فإن الأولوية ينبغي أن تكون لمعالجة أسباب التعثر والإسراع في تنفيذه، بدلاً من البحث عن بدائل قد تستغرق وقتاً إضافياً وتثير إشكالات قانونية ومالية.
إن نظام API/PNR يمثل نقلة نوعية في إدارة أمن الطيران وأمن الحدود، إذ يتيح للسلطات المختصة استلام بيانات الركاب قبل وصول الرحلات أو مغادرتها، وإجراء عمليات المطابقة والتحليل الأمني خلال ثوانٍ معدودة، بما يساعد على التعرف على الأشخاص المطلوبين أو ذوي الخطورة المحتملة قبل وصولهم إلى المنافذ الحدودية.
ولعل ما كانت تطلبه جمهورية مصر العربية في السنوات الماضية من إجراءات عُرفت بـ”الموافقة الأمنية” للمسافرين السودانيين، يمكن لنظام API/PNR أن ينجزه بصورة إلكترونية وآلية خلال نحو ثلاثين ثانية، من خلال تبادل البيانات والتحقق المسبق وفق المعايير الدولية، وهو ما يسهم في تسهيل حركة المسافرين النظاميين، مع تعزيز الرقابة الأمنية في الوقت نفسه.
كما يتميز النظام بقدرته على التعرف على المسافرين الدائمين (Frequent Flyers)، وتحليل أنماط السفر، وبناء مؤشرات للمخاطر، الأمر الذي يساعد في مكافحة التهريب، والاتجار بالبشر، والجريمة المنظمة، وغسل الأموال، وغيرها من الجرائم العابرة للحدود، دون الإخلال بانسياب حركة السفر.
ومن أهم مزايا العقد الموقع مع شركة Securiport أنه ينص على أن جميع البيانات والمعلومات التي يتم جمعها وتشغيلها من خلال النظام هي ملك لجمهورية السودان، بما يضمن المحافظة على السيادة الوطنية على البيانات، ويؤكد أن الدولة هي المالكة والمتحكمة في هذه المعلومات، وفقاً للقوانين والضوابط الوطنية.
إن تنفيذ هذا المشروع لن يكون مجرد استجابة لتوصية من توصيات مؤتمر القاهرة، بل سيكون رسالة واضحة إلى المجتمع الدولي بأن السودان جاد في تحديث منظومة أمن الطيران، والالتزام بمعايير منظمة الطيران المدني الدولي (ICAO)، وتعزيز التعاون مع الشركاء الإقليميين والدوليين.
واليوم، يقف السودان أمام فرصة حقيقية. فبدلاً من إهدار مزيد من الوقت في إعادة دراسة مشروع تمت دراسته واعتماده، فإن المطلوب هو مراجعة موقفه القانوني والفني، ومعالجة العقبات التي حالت دون تنفيذه، والانطلاق نحو التنفيذ الفعلي.
إن أمن الطيران لم يعد ترفاً إدارياً، بل أصبح جزءاً من الأمن الوطني، وأحد المعايير التي يقاس بها مدى جاهزية الدول للاندماج في منظومة النقل الجوي العالمية. والسودان يمتلك اليوم فرصة حقيقية للاستفادة من عمل أنجز قبل سنوات، وتحويله إلى واقع عملي يرفع تصنيف الدولة في مجالي أمن الطيران وسلامته، ويعزز ثقة العالم في مطاراته ومنافذه الجوية.





