‏عثمان ميرغني يكتب: الكهرباء.. التغطية مستمرة..

‏الكهرباء.. التغطية مستمرة..

‏عثمان ميرغني

‏أصدرت وزارة الطاقة أمس بيانا عن نشوب حريق في أحد الكوابل بسد مروي، مما أدى إلى إطفاء كامل وشامل في عدة ولايات، وعلى رأسها الخرطوم. وقد أسهم ذلك في زيادة ساعات انقطاع التيار الكهربائي الذي يعاني في الأصل من تواصل القطوعات لعدة أشهر، تزداد ساعاتها احيانا وتقل حسب معطيات الشبكة.

عثمان ميرغني يكتب: الكهرباء.. انقطاع التيار.. أم انقطاع الأمل؟

‏وكما كتبتُ هنا وكررتُ كثيرا، لا أحد يلوم شركة الكهرباء؛ لا قيادتها ولا مهندسيها ولا فنييها ولا عمالها، فقد حافظوا على الإمداد الكهربائي في عز سنوات الحرب الأولى، والرصاص ينهمر على رؤوسهم، بل حققوا أعلى معدلات التشغيل المستقر وسرعة الاستجابة لبلاغات الأعطال العامة والخاصة.

‏فالحقيقة أن أزمة الكهرباء ليست وليدة الحرب، ولا ما قبلها، بل تمتد جذورها إلى السبعينيات من القرن الماضي، منذ أن غنى لها شعب السودان ساخراً:
‏(الكهرباء جات أملوا الباغات.. قبال تقطع.. هسي بتقطع).
‏وللأسف، فإن التعامل معها باعتبارها أزمة وليدة ناجمة عن تدمير البنى التحتية بفعل الحرب، أو بقية القصص المحفوظة عن أعطال أو انخفاض مناسيب النيل أو ارتفاع درجات الحرارة أو زيادة الأحمال، كلها مجرد “كشكول” قديم يجتره سنام التصريحات كلما ضجر الناس وتململوا.

‏وحيث أنها أزمة قديمة، فلا يعقل أن نظل نتعامل معها بالكراسة القديمة ذاتها، ونُمنّي المواطن بأمل في حل يأتي من رحم الطرائق المعهودة نفسها. لا بد من حل جذري يخاطب المشكلة من جذرها العميق، وتمتد آثاره إلى آفاق استراتيجية في المستقبل البعيد.
‏ورغم أنني سبق أن كررت النصيحة ذاتها، و”الروشتة” نفسها، إلا أنني أرى في إعادة تذكير الوعي الرسمي والشعبي بها محاولة مستمرة لإقناعه بأهمية الإنصات لهذا الصوت.
‏المفهوم الأساسي للحل مبني على مسارين: استراتيجي بعيد الأمد، وإسعافي آني وقصير الأمد.

‏أولاً: على المسار الاستراتيجي:
‏ لا بد من إعادة هيكلة قطاع الكهرباء بصورة كاملة وشاملة، وذلك بتحرير القطاع كلياً ليصبح أشبه بقطاع الاتصالات، وفتح الباب واسعاً أمام القطاع الخاص (الوطني والأجنبي) للاستثمار في المجالات الثلاثة: التوليد، والنقل، والتوزيع.
‏ هذا لا يعني حل شركة الكهرباء التي تتولى العمل حالياً، بل من الممكن تحويلها إلى شركة مساهمة عامة لتدخل معترك المنافسة على قدم المساواة مع الشركات الخاصة.
‏تشكيل (المجلس الأعلى للطاقة) ليكون الجهة السيادية المنظمة والمشرفة والمراقبة لقطاع الكهرباء، دون أن يتدخل في الاستثمارات أو عمليات التشغيل المباشرة.
‏إذا أرادت الحكومة دفع الاستثمارات في الكهرباء وتحفيزها، فمن الممكن أن توفر ضمانات سيادية لبعض المشروعات الكبرى؛ مثل محطات التوليد التي تزيد طاقتها عن 500 ميقاوات، خاصة تلك التي تغذي المناطق الريفية البعيدة عن المدن والقطاعات الإنتاجية (وعلى رأسها الزراعة).
‏ و يُسمح لحكومات الولايات أيضاً بتشجيع الاستثمار – دون الدخول فيه كشريك – عبر توفير حوافز جاذبة؛ كالأراضي والبنى التحتية المساندة.
‏الغايات والأهداف:
‏سيكون الهدف الأول هو سد احتياجات البلاد من الطاقة في حدود الاستهلاك الراهن، لكن بالضرورة سترتقي الأهداف تدريجياً ليكون المطلوب توفير الكهرباء بأقل تكلفة ممكنة، ثم التطلع لتصديرها.
‏وتصدير الكهرباء لا يعني مجرد مد شبكات إلى خارج الحدود (وإن كان ذلك متاحاً وينسجم مع سياسات الدول في تشارك الأحمال في ساعات الذروة المتباينة)، بل إن المعنى الحقيقي للتصدير هو: تصدير المنتجات التي تشكل الكهرباء الزهيدة عامل تميز في إنتاجها، وعلى رأسها الصناعات الغذائية.

‏#حديث_المدينة (الأحد 2 أغسطس 2026)

Exit mobile version