التارماك في مطار الخرطوم… لماذا يجب أن تبدأ إعادة الإعمار من تحت سطح الأرض؟

التارماك في مطار الخرطوم… لماذا يجب أن تبدأ إعادة الإعمار من تحت سطح الأرض؟

إبراهيم عدلان

ليست سلامة الطائرات مرتبطة
بالمدرجات وأضواء الملاحة وأجهزة المراقبة الجوية وحدها، وإنما تبدأ من عنصر قد لا يراه المسافر ولا حتى الطيار، وهو الرصف الهندسي (Airport Pavement) الذي تتحرك عليه الطائرات وتقف فوقه آلاف الأطنان من الأحمال كل يوم.

ابراهيم عدلان: حول وصف شركة مطارات السودان المحدودة بالصفة التجارية

لقد أرست منظمة الطيران المدني الدولي (ICAO)، من خلال الملحق الرابع عشر لاتفاقية شيكاغو (Annex 14 – Aerodromes)، مبدأً أساسياً مفاده أن المدارج وممرات التاكسي وساحات وقوف الطائرات يجب أن توفر سطحاً آمناً ومستقراً وقادراً على تحمل الأحمال التشغيلية طوال العمر التصميمي للرصف، مع المحافظة على انتظام السطح، وكفاءة تصريف المياه، وخلوه من العيوب التي قد تؤثر على سلامة التشغيل أو تؤدي إلى نشوء الأجسام الغريبة (FOD).

غير أن فلسفة الإيكاو لا تنظر إلى الرصف باعتباره طبقة إسفلتية توضع فوق الأرض، وإنما باعتباره منظومة إنشائية متكاملة تبدأ من التربة الطبيعية، مروراً بطبقات التأسيس، وانتهاءً بالسطح الذي تتعامل معه الطائرات. ولذلك فإن أي خلل في الطبقات السفلية سينعكس حتماً على السطح مهما بلغت جودة الطبقة الإسفلتية.

هل كانت مشاكل التارماك في مطار الخرطوم مجرد تقادم طبيعي؟

على مدى سنوات طويلة شهدت ساحات وقوف الطائرات بمطار الخرطوم أعمال صيانة متكررة تمثلت في الترقيع الموضعي وإعادة الرصف الجزئي ومعالجة التشققات والهبوطات. ورغم الجهود الكبيرة التي بذلتها الإدارات الفنية، فإن تكرار ظهور الأعطال في المواقع نفسها يدعو إلى إعادة النظر في الأسباب الجذرية لهذه الظاهرة.

ففي هندسة المطارات، لا يُعد تكرار حالات Pavement Failure أمراً طبيعياً إذا كانت طبقات الرصف والتأسيس تؤدي وظيفتها كما ينبغي، بل يشير غالباً إلى وجود مشكلة إنشائية أو جيوتقنية تتطلب تشخيصاً علمياً.

وقد تنشأ هذه الإخفاقات نتيجة عامل واحد أو مجموعة عوامل متداخلة، من أهمها:

  • ضعف طبقة التأسيس.
  • تقادم الرصف.
  • زيادة الأحمال التشغيلية مقارنة بالتصميم الأصلي.
  • ضعف نظام الصرف.
  • درجات الحرارة العالية.
  • أو ارتفاع منسوب المياه الجوفية وتشبع طبقات التربة.

المياه الجوفية… فرضية تستحق الدراسة

يقع مطار الخرطوم في منطقة رسوبية بين النيلين، وهي منطقة معروفة بوجود خزانات مياه جوفية واسعة.

ولا يعني ذلك أن المطار “يقع فوق بحيرة”، فالمياه الجوفية توجد داخل مسام وفراغات الطبقات الرسوبية، وليس في صورة فراغ مائي مفتوح. إلا أن ارتفاع منسوب المياه الجوفية بالقرب من سطح الأرض قد يؤدي إلى انخفاض قدرة التربة على تحمل الأحمال، خصوصاً إذا صاحبه ضعف في شبكات الصرف تحت السطحي.

ومن الناحية الهندسية، فإن التشبع المستمر لطبقة التأسيس يؤدي إلى انخفاض معامل التحمل، وزيادة التشوهات، وظهور الهبوطات الموضعية والتشققات المتكررة، وهي ظواهر قد تتطابق مع ما شهدته بعض أجزاء ساحات الحركة في مطار الخرطوم.

غير أن الوصول إلى هذا الاستنتاج يتطلب أدلة علمية تتمثل في:

  • الجسات الجيوتقنية.
  • مراقبة مناسيب المياه الجوفية.
  • اختبارات تحمل التربة.
  • تقييم الحالة الإنشائية للرصف.
  • وتحليل التشوهات عبر الزمن.

فالقرار الهندسي لا يبنى على الملاحظة وحدها، وإنما على القياسات والاختبارات.

هل تكفي إعادة الرصف؟

غالباً ما تلجأ المطارات إلى تنفيذ طبقات إسفلتية تقوية (Structural Asphalt Overlay)، وهي وسيلة فعالة عندما تكون الطبقات السفلية ما زالت محافظة على قدرتها الإنشائية.

فالطبقة الإسفلتية الجديدة تزيد من صلابة الرصف، وتوزع أحمال الطائرات بصورة أفضل، وتطيل العمر التشغيلي لسنوات عديدة.

لكن إذا كان سبب المشكلة يكمن في طبقة التأسيس أو في المياه الجوفية، فإن إعادة الرصف وحدها تصبح علاجاً للأعراض، لا للمرض نفسه.

ولهذا فإن إعادة التأهيل الحقيقية يجب أن تبدأ من أسفل الرصف، وليس من سطحه فقط، وذلك من خلال:

  • تقييم التربة.
  • تحسين الصرف السطحي وتحت السطحي.
  • معالجة طبقات التأسيس عند الحاجة.
  • ثم تصميم طبقة تقوية تتناسب مع الأحمال المستقبلية للطائرات.

من الصيانة إلى إدارة الأصول

لقد تجاوزت المطارات العالمية مفهوم الصيانة التقليدية، وأصبحت تعتمد على إدارة أصول الرصف (Pavement Asset Management)، وهي منظومة تعتمد على البيانات، والقياسات الدورية، والتنبؤ بالعمر المتبقي للرصف، وجدولة أعمال الصيانة قبل ظهور الفشل الإنشائي.

وهذا هو الاتجاه الذي ينبغي أن تتبناه المطارات السودانية خلال مرحلة إعادة الإعمار، بدلاً من الاعتماد على الإصلاحات الموضعية التي تستنزف الموارد دون معالجة الأسباب الجذرية.

إعادة التأهيل استثمار… وليس مصروفاً

من أكبر الأخطاء الإدارية النظر إلى إعادة تأهيل المدارج وساحات الحركة باعتبارها عبئاً مالياً أو بنداً للصيانة يمكن تأجيله عند ضيق الموارد.

فالواقع الاقتصادي يثبت أن كل دولار يُستثمر في إعادة تأهيل الرصف وفق أسس هندسية سليمة يوفر أضعافه مستقبلاً من تكاليف الإصلاحات المتكررة، ويقلل من مخاطر توقف التشغيل، ويطيل العمر التشغيلي للأصول، ويحافظ على مستويات السلامة التي تتطلبها منظمة الطيران المدني الدولي.

ومن هنا فإن مسؤولية شركة مطارات السودان القابضة وسلطة الطيران المدني السوداني لا تقتصر على إعادة تشغيل المطار، بل تمتد إلى تبني سياسة وطنية لإدارة أصول البنية التحتية للمطارات، تتضمن برنامجاً دائماً لتقييم الأرصفة، ورصد حالتها، وإعادة تأهيلها وفق أولويات فنية واضحة.

كما أصبح من الضروري إنشاء صندوق وطني دائم لإدارة وصيانة البنية التحتية للمطارات، تمول موارده من نسبة محددة من رسوم الهبوط، ورسوم الإيواء، ورسوم استخدام المطار، وغيرها من الإيرادات المرتبطة بالتشغيل.

ويكون هذا الصندوق مخصصاً حصرياً للدراسات الجيوتقنية، ومراقبة المياه الجوفية، وتقييم الحالة الإنشائية للرصف، وإعادة التأهيل وفق أفضل الممارسات الدولية، بعيداً عن التقلبات المالية أو الاعتمادات الطارئة.

فهذا النهج لا يمثل إنفاقاً إضافياً، بل استثماراً طويل الأجل يحافظ على قيمة الأصول، ويخفض تكاليف التشغيل المستقبلية، ويعزز ثقة شركات الطيران، ويرفع جاهزية المطارات السودانية لاستقبال الحركة الجوية بعد إعادة الإعمار.

كلمة أخيرة

إن إعادة بناء مطار الخرطوم ليست مشروعاً لإزالة آثار الحرب فحسب، وإنما فرصة تاريخية لإعادة تأسيس المطار وفق أحدث المفاهيم الهندسية التي تبنتها منظمة الطيران المدني الدولي.

فالمطار الذي سيخدم السودان لعقود قادمة يجب ألا يُبنى على معالجة ظاهرية لسطح الرصف، بل على فهم علمي لما يحدث في باطن الأرض.

فالهندسة تعلمنا أن قوة أي منشأة لا تبدأ من أعلى، وإنما من أساسها.

وهذا هو الدرس الذي ينبغي أن يقود إعادة إعمار مطار الخرطوم، حتى يكون مطاراً آمناً، مستداماً، وقادراً على خدمة الأجيال القادمة بكفاءة وثقة.




رأي سودافاكس

فضاء مفتوح لأقلام سودانية متنوعة في شبكة سودافاكس الإخبارية. تعكس لمقالات المنشورة هنا آراء أصحابها ولا تُعبّر بالضرورة عن موقف هيئة التحرير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.