«لو ذكرى تهدي حنان
لو إنسان صبح قصة
أنا القصة يا أم درمان»
حاكم، عازف الطرمبة الشهير، كان يسكن بلكوندة امدرمان الشهيرة بحي الموردة العريق. مرة سألته:
ـ يا حاكم، لماذا معظم الفنانين عندما يأتون للعاصمة يسكنون في أمدرمان، وبالخصوص الموردة والعباسية؟ (مثال لذلك الكاشف، أبو الأمين، كابلي، عركي، إبراهيم حسين والكثير).
أبشر حسين يكتب: عبد الرحمن كرز… رجلٌ من الزمن الجميل
فقال لي: “لأن الفنان يجد نفسه في أمدرمان، خاصة الموردة والعباسية، وذلك لتركيبة أهل هاتين المنطقتين منذ تكوينهما قبل المهدية، التي أعطتهما زخماً كبيراً. فقد جاءت قبائل مختلفة من الشرق والشمال والغرب والجنوب واستوطنت”.
فالناس أتوا صوب أمدرمان يحملون ثقافاتهم الغنائية: الطمبور، الطمبارة، المردوم، الجراري، الدليب، رقصة الكمبلة، لعبة الكرنك، وركز السوط، المندي والقطران. حتى ثقافات الغذاء وتنوع الوجبات من قراصة، تركين، الكول، الملوحة، المرس، المندولة، الكجيك، الكمبو، أم تكشو والمخبازة.
هذه الثقافات تلاقت وتمازجت في أمدرمان حتى صارت كأنها نسيج واحد. وساعد في ذلك عوامل عدة، أبرزها التصوف الذي لعب دوراً كبيراً في دمج الناس وتذويب الفوارق القبلية والمناطقية. فتجد (الادارسة والانصار ،الغرقان، قريب الله، البدوي، دفع الله،محمد خير) رموزاً روحية وحدت القلوب حتى نسي الناس مفهوم القبيلة، وكثرت المصاهرة واندمجت الأسر.
أيضاً كان للحراك الرياضي دور كبير في خلق الشخصية الأمدرمانية والمساعدة في توحيد الذوق العام، فكان رافعاً لهذا الانصهار الاجتماعي وتجاوز الانتماء الضيق.
ولم تكن المرأة غائبة عن هذا الحراك؛ فكانت لـ (فاطمة طالب، فاطمة أحمد إبراهيم، سعاد الفاتح، خالدة زاهر، حاجة كاشف، آسيا عبد العال ،حواء الطقطاقة وغيرهم) أدوار كبيرة في نشر ثقافة ووعي المجموعات المستوطنة بتقبل الآخر والعيش في جو هارموني يسمح بمساحة واسعة من الحراك لكل الفئات المجتمعية وتقبل الآخر دون حجر على ثقافة أو دين أو هوية.
لذلك أصبحت أمدرمان قبلة للوافدين من العديد من المناطق، من مدن أو قُرى أو أرياف سودانية. يجد فيها الإنسان بيئة تحمل رائحة المنطقة التي أتى منها، وتعطيه القدرة على الحراك بأريحية. هذا الجو العام لام أمدرمان وساعد كثيراً في صهر الناس في بوتقة واحدة، مما ساهم في ربط المناطق المختلفة ببعضها، وعزّز وحدة البلاد.
وهكذا أصبحت أمدرمان شيئاً فشيئاً قبلة لكل سوداني؛ من جاءها من الأرياف أو المدن وجد فيها رائحة أهله، وطَعم منطقته، وصوت ناسه.
لقد لعب الفن والفنانون بمختلف توجهاتهم ومنابرهم الفكرية دوراً بارزاً في تعزيز هذه الروابط والقيم الفاضلة وبناء النسيج الاجتماعي. التشكيليون منذ عهد الصلحي، شبرين، العوام، جمعان (مدرسة الخرطوم) ومجموعة أبادماك. ورواد المسرح: خالد أبو الروس، ميسرة السراج، الفاضل سعيد،محجوب سراج، حمدنا الله عبد القادر، مكي سنادة، وتحية زروق. والمدارس الفكرية مثل الهاشماب، الفجر، والأدباء عبد الحليم، الفيل، والقصة القصيرة والترجمة عند عبد الله عشري.
أما الشعراء فمدرسة الغابة والصحراء، صلاح محمد إبراهيم، وغيرهم. وشعراء الحقيبة ود البنا وابو صلاح وعتيق وعبدوالرحمن الريح والمجموعات الغنائية من فترة سرور وكرومة حتى مجموعة محمود فلاح، ثم الغناء الحديث مع الكاشف، عبد الحميد يوسف، أحمد المصطفى، عثمان حسين، ابراهيم عوض ،عبيد الطيب ،التاج مصطفى ،ابو الامين وعركى مروراً بزيدان و شرحبيل وأحمد داوود. كلهم وجدوا في أمدرمان تربة خصبة للإبداع ومنصة للتأثير.
ترنة ودرار القلبو الهلال وحتى العجب وهيثم مصطفى ، هذا النسيج الرياضي الفخيم من هلال ومريخ وموردة، لعب دوراً بارزاً في صهر الناس في بوتقة واحدة، وألّف بين القلوب، ونشر ثقافة الألفة والمحبة.
حتى السياسة كانت في أمدرمان ذات حضور إنساني واجتماعي حي. للسياسة دور كبير في وصول المجتمع الأمدرماني لدرجة عالية من التسامح. ونحن صغار رأينا الزعيم الأزهري يُعزّي في بيوت الناس البسطاء، وشاهدنا عبد الخالق مجاملاً في بيوت الأفراح، ومحمود متجولاً في سوق الموردة مع بناته في ثيابهن البيضاء، والترابي يخطب في جامع حسن حسين.
أمدرمان التي جمعت عبد المنعم عبد الحي (أنا القصة يا أمدرمان)، عبد الله النجيب (شاعر العيون)، مصطفى سند، محجوب شريف (الاسم الكامل)، التجاني سعيد (برمائيات)، هاشم صديق (الملحمة)، عوض احم خليفة وحسن السر ومن قبلهم احمد محمد صالح و محمد سعيد العباس… كلهم وجدوا في أمدرمان تربة خصبة للإبداع ومنصة للتأثير. ولامدرمان ظرفائها ود نفاش،الهادى الضلالى، على عابدين ،كمال افرو ،كمال سينا ،كمال المكسيكى ، السر، ودمرجان وعم باجورى غرق.
كل هذا الحراك والتراكم الاجتماعي والثقافي والسياسي جعل أمدرمان أيقونة سودانية جامعة. مدينة لا تملك إلا أن تحبها، وتشعر أنك فيها “في بيتكم”. مدينة كل من دخلها أصبح له نصيب من الكيكة، كيكة اسمها أمدرمان.
لذلك كلنا بنحب امدرمان
✦ بروف أبشر حسين ✦
