أبشر حسين يكتب: بعض الأشياء والأحداث تظل عالقة في الذهن لا تتمحى.

لا زلت أذكر ونحن نذاكر لامتحان الشهادة الثانوية لدخول الجامعة بصالون منزل العم حامد الجزولي، كنت آخذ فترة للراحة بعد كل ساعة من المذاكرة، وفي بعض الأحيان أعمل مجسم لروشتة طبية أكتب فيها: د. أبشر ود الشول، أخصائي المخ (بهذه الصيغة).
والسبب في ذلك أنو في طفولتي كنت أدخل أحد البيوت، وكانت لهم ابنة في العشرينات من العمر محبوسة في غرفة لها شباك. كنت أقف تحته وأسألها: يا فلانة لماذا أنت محبوسة في هذه الغرفة؟ فتقول لي إنني أعاني من مرض أم الصبيان.

أبشر حسين يكتب: «لو ذكرى تهدي حنان .. لو إنسان صبح قصة …أنا القصة يا أم درمان»

أبشر حسين يكتب: الشول في مستشفى أم درمان

أبشر حسين يكتب: عبد الرحمن كرز… رجلٌ من الزمن الجميل
وأسألها: ما هي أم الصبيان؟ فتقول لي: هذه حالة تنتابني ويحدث لي تشنجات.
وأثناء ما هي تتحدث إليّ ينقطع صوتها، ولأني قصير لا أعرف ماذا حصل، وأذهب بسرعة وأحضر طوبتين وأقف فيهما، فأرى منظرًا لا زال عالقًا في ذاكرتي.
تلك الفتاة بوجهها الطفولي ولونها الأصفر وشلوخها الجميلة، واقعة على الأرض وعيونها جاحظة وأسنانها تصطك، ويخرج من فمها رغوة مخلوطة بلون الدم (أظنها جرحت لسانها)، ويداها ورجلاها تتشنجان كأنها مذبوحة.
وبعد دقائق توقفت الحركة حتى ظننتها ماتت، ولكنها أصبحت تخور وهدأ نفسها، ثم دخلت في مرحلة استرخاء، وأنا واقف على الطوبتين أراقب هذا المشهد (الذي أصبح لاصقًا في ذاكرتي حتى الآن).
وبعد حوالي الربع ساعة عادت لها الحياة ووقفت على رجليها، وهي تبتسم بعدما رأتني واقفًا أراقب ما يحدث، وأنا طفل صغير.
تمر الأيام وأتخرج من كلية الطب، ثم أحصل على دكتوراة الطب الباطن، ثم أتخصص في أمراض الجهاز العصبي.
في إحدى الأيام طلب من بروف داوود أن أحضر لمكتبه بعد المرور على المرضى بمستشفى الشعب.
قال لي: يا أبشر، دايرك تعمل دكتوراة بحثية في مرض الصرع.
وأنا أسمع كلامه سرحت، فسألني: ما بك؟
فأخبرته بقصة تلك المريضة وأنا أشاهدها تصرع وأنا صغير.
في خلال خمسة سنوات أكملت الدكتوراة البحثية في الصرع، وخلال مسيرتي العملية كتبت العشرات من الأوراق عن هذا المرض، وفي كل ورقة علمية أكملها أرى أمامي وجه تلك المريضة وكأنها تبتسم.
بدأت في تحضير فيلم وثائقي عن هذه التجربة مع صديقي المخرج بدر الدين حسني، ولكنها لم تكتمل بوفاته، رحمة الله عليه.




بروفيسور أبشر حسين

بروفيسور أبشر حسين طبيب سوداني وباحث وبروفيسور بجامعة الخرطوم وكاتب ومؤسس مجموعة داؤود البحثية الغير ربحية ويكتب مقالات بصورة دورية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.