“فكّر إلى الأمام”:من المراقبة الإجرائية إلى منظومة ATM الحديثة: سيناريو واقعي لعبور الملاحة الجوية السودانية ” 1″

“فكّر إلى الأمام”:من المراقبة الإجرائية إلى منظومة ATM الحديثة: سيناريو واقعي لعبور الملاحة الجوية السودانية ” 1″
إبراهيم عدلان
مقدمة لا بد منها
تشكل العبارة الإنجليزية Think Ahead — أي «فكّر إلى الأمام» — إحدى حجرات الزاوية التي بُني عليها صرح مهنة الطيران، وهي مهنة لا تحتمل الانتظار حتى تقع المشكلة ثم البحث عن الحل، بل تقوم بطبيعتها على استباق المخاطر، وقراءة المستقبل، والتخطيط قبل التنفيذ.
ابراهيم عدلان: حول وصف شركة مطارات السودان المحدودة بالصفة التجارية
وقد يأخذ علينا البعض الإسهاب في الجانب النظري، أو يرون في محاولة تصور أفضل السيناريوهات لعبور الملاحة الجوية السودانية لهذه الظروف الاستثنائية نوعاً من التفاؤل الزائد. لكن التجربة تعلمنا أن أصعب الظروف هي أكثر الأوقات حاجة إلى التفكير المسبق والتخطيط السليم، لا إلى ردود الأفعال المتعجلة.
وقد علمنا المولى سبحانه وتعالى ضرورة التمييز بين من يسير بلا رؤية ومن يمضي على طريق واضح، فقال تعالى:
﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [الملك: 22]
ولعل هذه الآية تختصر فلسفة هذه الورقة كلها.
فإعادة تشغيل الملاحة الجوية في السودان في ظل الظروف الراهنة لا ينبغي أن تكون حركة عشوائية من إجراء إلى آخر، ولا انتظاراً لما قد يأتي من الخارج، ولا استسلاماً للظروف القائمة. بل يجب أن تكون مساراً مخططاً يبدأ من الممكن الآن، ويستشرف ما نحتاج إليه غداً، ويضع لكل مرحلة أدواتها ومواردها وسقفها الزمني.
ومن هنا يصبح التفكير القبلي والتخطيط السليم أهم أداتين في هذه المرحلة.
التفكير القبلي يعني أن نسأل قبل أن نبدأ:
ماذا نملك؟ ماذا نستطيع أن نشغل؟ ما المخاطر؟ ما البدائل؟ وما الذي يجب أن نبدأ في بنائه منذ اليوم؟
أما التخطيط السليم فيعني أن نحول هذه الأسئلة إلى:
أولويات واضحة، ومسؤوليات محددة، ومراحل متتابعة، وسقوف زمنية، ومصادر تمويل، ومؤشرات لقياس النجاح.
ولهذا فإن هذه الورقة لا تدعي امتلاك وصفة مثالية، ولا تفترض أن الظروف ستسير وفق أفضل السيناريوهات، وإنما تحاول أن تقدم سيناريو عملياً قابلاً للتنفيذ في أصعب الظروف؛ يبدأ بالمراقبة الإجرائية كحل سريع وآمن لاستعادة الخدمة، ويعمل في الوقت نفسه على إعادة الرادار ومصادر المراقبة، وصولاً إلى منظومة ATM حديثة ومستدامة.
فالقاعدة التي ننطلق منها هي:
Think Ahead — فكّر إلى الأمام.
ثم:
خطط قبل أن تبدأ، وابدأ بما تستطيع، وابنِ بالتوازي ما تحتاج إليه غداً.
ففي مهنة الطيران، كما في إدارة الأزمات، الطريق الآمن لا يُكتشف بعد الانطلاق؛ بل يُخطط له قبل أن نخطو الخطوة الأولى.
⸻
الجزء الأول
التجارب العالمية: ماذا يمكن أن نتعلم؟
إعادة بناء الملاحة الجوية السودانية لا تعني بالضرورة نسخ تجربة دولة أخرى، فلكل دولة ظروفها وحجم مجالها الجوي وحركتها الجوية ومواردها.
لكن التجارب العالمية تقدم لنا دروساً مهمة، خصوصاً في الدول التي بنت قدراتها تدريجياً ولم تنتظر اكتمال كل عناصر المنظومة قبل أن تبدأ.
أولاً: المؤسسة أهم من شكلها
تظهر التجارب العالمية أن خدمات الملاحة الجوية يمكن تنظيمها بطرق مختلفة.
فبعض الدول أنشأت مؤسسات مستقلة لخدمات الملاحة، بينما أبقت دول أخرى هذه الخدمات داخل سلطة الطيران المدني.
وهذا يعني أن وجود شركة مستقلة للملاحة الجوية ليس قاعدة دولية ملزمة.
الأهم هو أن تتوافر:
- الكفاءة المهنية.
- الاستقلال التشغيلي.
- نظام سلامة فعال.
- موارد مالية كافية.
- رقابة مستقلة.
- قدرة على الاستدامة.
ومن هنا فإن السؤال بالنسبة للسودان ليس:
هل ننشئ شركة ملاحة جوية؟
بل:
ما النموذج الذي يعيد الخدمة بأسرع وقت وأقل تكلفة وأكثر كفاءة؟
⸻
ثانياً: أوغندا — تطوير الملاحة داخل سلطة الطيران
تقدم أوغندا مثالاً مهماً؛ إذ توجد خدمات الملاحة الجوية ضمن سلطة الطيران المدني، وتشمل خدمات الحركة الجوية والاتصالات والملاحة والمراقبة والمعلومات الجوية والبحث والإنقاذ.
والدرس المهم للسودان هو أن تطوير خدمات الملاحة لا يستلزم بالضرورة إنشاء مؤسسة جديدة.
بل يمكن أن تكون داخل سلطة الطيران المدني، مع إعطائها قيادة مهنية وصلاحيات تشغيلية واضحة.
⸻
ثالثاً: سنغافورة — الوحدة المؤسسية لا تمنع الفصل الوظيفي
تمثل سنغافورة نموذجاً متقدماً في إدارة المجال الجوي، حيث تقدم سلطة الطيران المدني خدمات الملاحة الجوية إلى جانب أدوارها التنظيمية.
والدرس هنا ليس نقل النموذج كما هو إلى السودان، وإنما إدراك أن:
الفصل بين مقدم الخدمة والرقابة يمكن أن يكون وظيفياً ومهنياً داخل مؤسسة واحدة، وليس بالضرورة فصلاً مؤسسياً.
المهم هو منع تضارب المصالح، وضمان أن تكون السلامة والرقابة قادرة على تقييم مقدم الخدمة بصورة مستقلة.
⸻
رابعاً: قطر — نموذج إقليمي
تمثل قطر نموذجاً مهماً في المنطقة العربية، حيث تقع خدمات الملاحة الجوية ضمن سلطة الطيران المدني.
وهذا يؤكد مرة أخرى أن إنشاء شركة مستقلة ليس الخيار الوحيد.
والأهم بالنسبة للسودان هو أن يختار هيكلاً يتناسب مع مرحلته الحالية، لا أن ينشئ مؤسسات جديدة لمجرد أنها موجودة في دول أخرى.
⸻
خامساً: الدرس الأهم من التجارب العالمية
يمكن تلخيص الدروس في الآتي:
قوة المؤسسة أهم من عدد المؤسسات.
التطوير التدريجي أفضل من القفز إلى منظومة مكلفة لا تستطيع الدولة تشغيلها وصيانتها.
الإيراد يجب أن يرتبط بالخدمة التي ينتج عنها.
القطاع الخاص يمكن أن يمول الأنشطة التجارية.
التمويل التنموي يمكن أن يمول المشروعات الرأسمالية الكبرى.
التكنولوجيا يجب أن تتبع الحاجة، وليس العكس.
والدرس الأهم:
لا تنتظر الدولة اكتمال كل عناصر المنظومة حتى تبدأ. تبدأ بما تستطيع، ثم تطور قدراتها مع الوقت.
وهنا نصل إلى النموذج الذي نقترحه للسودان








