أكدت مصادر عسكرية أن سرباً جوياً من مقاتلات ومسيرات الجيش شن أمس الثلاثاء، سلسلة غارات جوية متتالية وعنيفة على مواقع وتجمعات “الدعم السريع” في مناطق الخوي، والنهود، وحمرة الوز، وأم بادر، وأبو قعود، وشرشار، ومحيط مدينة سودري، ومدينة نيالا في شمال وغرب كردفان، وجنوب دارفور، دمرت خلالها قوات هجومية تضم أرتالاً من العربات القتالية كان يجري تجهيزها للتحرك نحو مدن بارا، والأبيض، وجنوب أم درمان، بجانب إمدادات وصهاريج للوقود تتبع لقوات “الدعم السريع”.
وأكدت المصادر أن الجيش وحلفاؤه تمكنوا أمس تحت الغطاء الجوي الكثيف من السيطرة على جبل أبو حديد، غربي محلية جبرة الشيخ بشمال كردفان، عقب فرار عناصر “الدعم السريع” من المنطقة التي كانت تشكل ملاذاً ومخبأ لها بحكم طبيعتها الوعرة وتضاريسها الجبلية، كما يقطع خطوط إمدادها ويهيئ للقوات عملية التوغل نحو مناطق “أبو زعيمه” الاستراتيجية و”تطهير” بقية أجزاء الولاية.
قصف نيالا
وأوضحت المصادر أن الطيران الحربي التابع للجيش استهدف أمس عدداً من مواقع “الدعم السريع” داخل مدينة نيالا، عاصمة ولاية جنوب دارفور، مقر حكومة “تأسيس” الموازية، قاصداً مخازن للسلاح والوقود بالمدينة.
ووفق شهود محليين، تعرضت نيالا لطلعات جوية مفاجئة وسُمعت أصوات المضادات الأرضية بالتزامن مع سماع دوي انفجارات وتصاعد أعمدة الدخان من مواقع عدة في كل أرجاء المدينة.
في المقابل قالت قوات “الدعم السريع” على منصاتها الرسمية بمواقع التواصل الاجتماعي أن مسيراتها استهدفت بنجاح مواقع عسكرية عدة بشمال كردفان من دون أن تسميها أو تحددها، مشيرة إلى أن قواتها لا تزال تخوض معارك كبيرة وتحرز تقدماً في محور النيل الأزرق.
وكانت غرفة طوارئ “دار حمر” قد نبهت إلى أنها رصدت أمس الثلاثاء، عبور ست طائرات مسيرة تابعة لـ”الدعم السريع” أجواء مدينة “أم كدادة” بولاية شمال دارفور متحركة نحو الاتجاه الشرقي نحو كردفان، محذرة الجهات المختصة والمواطنين لضرورة أخذ أقصى درجات الحيطة والحذر.
وأوضحت الغرفة أن قوات “الدعم السريع” أخلت جرحاها من المحليات الشمالية بولاية غرب كردفان إلى مدينة نيالا بواسطة 40 عربة من نوع “تندرا” الصحراوية.
نزوح كارثي
إنسانياً، فجر التصعيد العسكري الميداني الواسع في محاور القتال بإقليم النيل الأزرق وولاية شمال كردفان، أزمة إنسانية وحركة نزوح هائلة بالمنطقتين، حيث دُفع آلاف السكان إلى النزوح في ظل أوضاع إنسانية صعبة ونقص حاد في الاحتياجات الأساسية.
وكشف محافظ محافظة قيسان بإقليم النيل الأزرق، جمال القاضي، عن استمرار تدفقات النازحين من المحافظة، مشيراً إلى أن الوضع أكبر من إمكانيات وطاقة المحافظة والحكومة الإقليمية.
ونوه القاضي إلى أنه وعلى الرغم من الجهود التي تبذلها المفوضية الإنسانية فإن الأوضاع الإنسانية تتطلب تدخلاً عاجلاً مع استمرار هطول الأمطار، مناشداً المنظمات الدولية والإقليمية بالتدخل الفوري لتوفير الإيواء والغذاء والدواء للنازحين.
وقال بيان لمحافظة قيسان إن المعارك لا تزال مستمرة في محيط مدينة قيسان، وإن قوات اللواء 13 والقوات المساندة تخوض مواجهات مع القوات المهاجمة وتكبدها خسائر فادحة على مشارف المدينة.
ووصلت مجموعات كبيرة من الفارين إلى محلية “ود الماحي” القريبة من الدمازين، العاصمة الإقليمية للنيل الأزرق، وهم يعانون نقصاً حاداً في ضروريات الحياة بعد رحلة نزوح شاقة وطويلة.
وأفادت السلطات المحلية في “ود الماحي” بأنها وزّعت النازحين على مقار عدد من المدارس لإيوائهم موقتاً في المرحلة الحالية إلى حين تشييد مخيمات لهم، فيما تستمر حركة النزوح من قيسان باتجاه مناطق أكثر أمناً والحاجة إلى توفير متطلبات الحياة الأساسية.
من جانبها حذرت “شبكة أطباء السودان” من تفاقم الوضع الإنساني والصحي للنازحين في ظل الأمطار الغزيرة التي يشهدها إقليم النيل الأزرق خلال هذه الأيام وما قد يترتب عليها من أخطار صحية وبيئية وانتشار للأمراض، في ظل محدودية الموارد والقدرات المتاحة للاستجابة للاحتياجات المتزايدة.
وقالت الشبكة إنها تتابع بقلق بالغ وصول أكثر من 5 آلاف نازح من منطقة قيسان إلى مدينة الدمازين عقب الهجمات التي شهدتها المنطقة، وسط أوضاع إنسانية بالغة الصعوبة، مع نقص حاد في الغذاء والدواء والإيواء، مما يهدد حياة النازحين ويزيد من معاناتهم، وبخاصة الأطفال والنساء وكبار السن، مناشدة المنظمات الأممية والإنسانية والمحلية بالتحرك العاجل في أسرع وقت ممكن، لمنع تدهور الأوضاع الإنسانية هناك.
تحذير أممي
وحذّر مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) من استمرار تدهور الأوضاع الإنسانية في السودان، في ظل تصاعد أعمال العنف في ولايتي شمال كردفان والنيل الأزرق، حيث يواصل تجدد القتال والعنف المستمر حصد أرواح المدنيين وأجبر آلاف الأشخاص على النزوح من منازلهم مع سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين خلال الأيام الماضية.
وقال المتحدث باسم الأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، إن السلطات المحلية في ولاية شمال كردفان أفادت بمقتل أكثر من 12 مدنياً وإصابة آخرين جراء الاشتباكات الأخيرة التي شهدتها منطقة “أم عردة”، جنوب غربي مدينة الأبيض، بينما قدرت منظمة الهجرة الدولية عدد النازحين من “أم عردة” والمناطق المجاورة بأكثر من 4200 شخص خلال يومي الجمعة والسبت الماضيين.
وأشار دوجاريك إلى أن تجدد القتال في منطقتي قيسان والكرمك ومحيطهما بالنيل الأزرق الأسبوع الماضي، أدى إلى نزوح نحو 5400 شخص في الأيام الأخيرة، مطالباً جميع الأطراف بحماية المدنيين والبنية التحتية المدنية، والسماح بوصول المساعدات إلى المحتاجين بسرعة وأمان ومن دون عوائق.
وأوضح المكتب الأممي أن تصاعد العنف في أنحاء شمال كردفان اضطر الشركاء في المجال الإنساني إلى تعليق الأنشطة والخدمات الصحية منذ أكثر من أسبوعين في منطقة المزروب، التي تشهد تفشياً لوباء الكوليرا.
وكشفت مصادر طبية بـ”الأبيض” أن الهجمات الأخيرة على منطقتي “أم عردة” و”جبل الهشابة” أسفرت عن نزوح نحو 500 أسرة من المنطقتين وصلت سيراً على الأقدام إلى المدينة بينهم أطفال وكبار سن في أوضاع إنسانية صعبة وتحتاج إلى تدخل عاجل، مع تزايد مستمر في أعداد النازحين بصورة فاقمت من الأوضاع الإنسانية مع ظروف موسم الخريف والأمطار.
انشقاق جديد
في الأثناء أعلنت مجموعة تضم 318 مقاتلاً بقيادة اللواء موسى علي أحمد الشهير بـ”موسى خمسين”، الانسلاخ من “الدعم السريع” والانضمام إلى صفوف الجيش عقب وصولهم على ظهر 50 عربة بكامل عتادها إلى مدينة الدبة بالولاية الشمالية.
وأوضح “خمسين” خلال مراسم استقبال القوة، أن قرار انضمامهم للجيش جاء بسبب غياب العمل المؤسسي داخل “الدعم السريع” وإيماناً منهم “بوحدة الوطن”، مؤكداً استعداده وقواته “للوقوف صفاً واحداً مع الجيش للدفاع عن استقرار البلاد”.
من جهته أعلن قائد “حرس الحدود” العقيد محمد صالح يونس، أن “أبواب الوطن تظل مفتوحة لكل الراغبين في العودة لصفوف الجيش”، مرحباً بالعائدين وداعياً “أبناء السودان لعدم الانسياق خلف المرتزقة”، ومشدداً على “مضي القوات المسلحة بخطوات ثابتة لاستعادة الأمن والاستقرار بكافة ربوع البلاد”.
اقرأ المزيد
معارك الجيش السوداني تتوسع بين شمال كردفان والنيل الأزرق
السعودية والسودان يوقعان وثيقة إنشاء “المجلس التنسيقي” بينهما
الإدارة الأهلية في السودان… آخر ملاذات “الدعم السريع”
على نحو متصل اتهم القائد الميداني بـ”الدعم السريع”، اللواء أحمد قُجّة، قيادات سياسية ممن سماهم بالمستشارين داخل صفوف فريقه، بأنهم “طابور”، أي متورطين في اتصالات سرية ويسعون لعقد لقاءات مع قيادات في الجيش.
ولمح قجة في تسجيل مصور، إلى وجود اختراق لمنظومة “الدعم السريع”، موجهاً انتقادات حادة إلى المستشارين المحيطين بالقيادة.
وكشف قجة عن وجود أنشطة مالية وإدارية مرتبطة بموالين للنظام السابق داخل مناطق سيطرة “الدعم السريع” في دارفور، متهماً جهات لم يسمها بإدارة موارد مالية تُوزع في مدينة نيالا ومناطق أخرى.
استعداد جنوبي للوساطة
دبلوماسياً أعلن رئيس جنوب السودان سلفا كير ميارديت، استعداد بلاده للتوسط بغرض الوصول إلى تسوية سلمية للنزاع القائم في السودان منذ أكثر من ثلاثة أعوام.
وأكد بيان لمكتب سلفا كير، عقب مباحثات أجراها مع حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي في العاصمة جوبا، الاستعداد للتواصل مع جميع الأطراف السودانية، لتشجيع الحوار والمصالحة والتوصل إلى تسوية سياسية للنزاع استناداً إلى الدور السابق الذي لعبته جوبا في تيسير جهود السلام، عبر “اتفاقية جوبا للسلام” في أكتوبر (تشرين الأول) 2021 التي جمعت حينها عدداً من الحركات المسلحة في دارفور.
من جهته أوضح حاكم دارفور، في منشور بصفحته على “فيسبوك” أنه أطلع سلفا كير على حجم المأساة التي يعيشها الشعب السوداني وما يتعرض له المدنيون من انتهاكات ذات طابع عنصري وإثني على أيدي “الدعم السريع”، ضمن “مخطط يرمي إلى تهجير السكان الأصليين من إقليمي دارفور وكردفان وإحلال مرتزقة وأجانب محلهم”.
وأضاف مناوي أنه طالب سلفا كير “بالاضطلاع بدور فاعل في الدفع نحو وقف الحرب ودعم وحدة السودان والحيلولة دون تنفيذ أي مخططات تستهدف تقسيم البلاد أو تفكيك نسيجها الاجتماعي”.
إعفاءات وتسهيلات
إلى ذلك وفي اطار تخفيف الضغط المعيشي على المواطنين أصدر مجلس الوزراء السوداني، أمس الثلاثاء، قراراً بإعفاء كافة أجزاء منظومات الطاقة الشمسية المستوردة للاستخدام الشخصي من الجمارك والضرائب وجميع أنواع الرسوم الحكومية الأخرى.
وأصدر رئيس الوزراء، كامل إدريس، قراراً آخر بإعفاء جميع المواطنين بالبلاد من سداد رسوم مياه الشرب بالقطاع السكني حتى نهاية العام الحالي، موجهاً الوزارات المختصة بتسهيل وتقديم التمويل الميسر للطاقة الشمسية للأغراض الشخصية.
