صرخة استغاثة من داخل شركة مطارات السودان : “أنقذونا “!

وصلتني رسالة صوتية من أحد منسوبي شركة مطارات السودان المحدودة. استمعت إليها أكثر من مرة. وفي كل مرة كنت أشعر أنني لا أستمع إلى شكوى موظف عابر أو تذمر من ظروف العمل و إنما إلى صرخة إنسان أنهكته الحياة وضاقت به السبل ولم يعد يعرف إلى أين يتجه.
كانت الرسالة في جوهرها سؤالًا مؤلمًا: ماذا يفعل العامل حين يصبح راتبه الذي ينتظره طوال الشهر عاجزًا عن الصمود لأكثر من ثلاثة أيام؟
ثلاثة أيام فقط! .. بعدها يبدأ الحساب والقلق والاستدانة والبحث عن حلول مؤقتة لسد احتياجات الأسرة.

بعد فوزه بجائزة Skytrax 2026.. مطار الملك خالد الدولي يطبق نظام المطار الصامت

ثم يأتي السؤال الأصعب: كيف سأكمل بقية الشهر؟ وكيف أوفر الطعام لأطفالي؟ وكيف أواجه الالتزامات التي لا تنتظر؟

أن يعمل الإنسان طوال الشهر ثم ينتهي راتبه في ثلاثة أيام ليست مجرد أزمة مالية.
إنها أزمة معيشية تمس كرامة الإنسان و تضع العامل أمام واقع قاسٍ لا ذنب له فيه.

و الأمر لا يتوقف عند الراتب.

الرسالة حملت حديثًا عن شعور بالظلم والقهر والتسلط وعن حالة من الخوف والإحباط دفعت بعض العاملين إلى الصمت بدلًا من الحديث عن معاناتهم.

و هنا يجب أن نتوقف !
العامل الذي يخاف من التعبير عن ألمه لا يحتاج إلى التخويف وإنما يحتاج إلى من يسمعه. والعامل الذي يشعر بالظلم لا يحتاج إلى التجاهل وإنما يحتاج إلى العدالة. والعامل الذي لا يعرف ماذا ينتظره غدًا يحتاج إلى إجابة واضحة عن مستقبل المؤسسة التي يعمل فيها.

و أكثر ما يثير القلق في هذه الرسالة هو ضبابية المستقبل.

فالعامل لا يعيش فقط تحت ضغط الغلاء و الديون و مسؤوليات الأسرة و إنما يعيش أيضًا تحت وطأة عدم معرفة ما الذي ينتظره في الغد. و في مثل هذه الظروف تصبح الضبابية عبئًا إضافيًا لا يقل قسوة عن الأزمة المالية نفسها.

استئناف الصادر عبر مطار الخرطوم الدولي .. عودة اقتصادية للطيران المدني السوداني
ثم تأتي قضية الامتيازات والحوافز والمخصصات المالية لتطرح سؤالًا مشروعًا على طاولة الإدارة: هل يشعر جميع العاملين بأن العدالة حاضرة في توزيع موارد المؤسسة؟

ليس المطلوب حرمان أحد من حقه. وليس المطلوب فتح باب للمزايدات. المطلوب فقط أن يشعر العامل البسيط بأن المؤسسة التي يعمل من أجلها لا تنساه وأن العدالة ليست شعارًا وإنما ممارسة يشعر بها الجميع.

شركة مطارات السودان المحدودة ليست مجرد شركة تؤدي وظيفة إدارية عادية .
إنها مؤسسة ترتبط بصورة مباشرة بقطاع الطيران المدني و بعمل المطارات و استمراريتها.
و خلف هذه المؤسسة رجال و نساء أمضوا سنوات من أعمارهم في خدمة المطارات السودانية.

الناس عملوا في ظروف صعبة و تحملوا آثار الحرب و النزوح و الظروف الاقتصادية القاسية و ظل كثيرون منهم يؤدون واجبهم رغم كل ما واجهوه من تحديات.

و من المؤلم أن يصل بعض هؤلاء إلى مرحلة يعجز فيها راتبهم عن توفير أبسط احتياجات أسرهم.
لهذا فإن الرسالة التي وصلتني لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها شكوى فردية و تنتهي عند صاحبها.

إنها جرس إنذار.

و حتى إذا كانت الرسالة تمثل رأي صاحبها وحده فإن من واجب الإدارة و الجهات العليا أن تتعامل معها باعتبارها مؤشرًا يستحق الاستماع و التحقق و المعالجة.

المؤسسات لا تنهار عندما تواجه مشكلاتها بشجاعة. المؤسسات تنهار عندما تتراكم المشكلات دون حلول ويصبح الصمت بديلًا عن الحوار.

و لهذا فإن رسالتي اليوم موجهة إلى الجهات العليا بالدولة قبل أن تكون موجهة إلى إدارة الشركة:
استمعوا إلى العاملين ..
اجلسوا معهم ..
افتحوا الملفات المالية والإدارية ..
راجعوا منظومة الأجور والامتيازات والحوافز ..
و ضحوا للعاملين مستقبل المؤسسة ..

و أعيدوا إليهم الإحساس بأن المؤسسة التي أفنوا سنوات من أعمارهم في خدمتها لن تتركهم وحدهم في أصعب مراحل حياتهم.

فالعامل لا يطلب المستحيل. ولا يبحث عن امتيازات خاصة. هو يريد أن يعيش بكرامة وأن يستطيع أن يوفر لأسرته الحد الأدنى من احتياجات الحياة.

و هنا يصبح السؤال الذي طرحه صاحب الرسالة أكثر إلحاحًا:
إلى متى سيستمر هذا الوضع؟

قد يتحمل العامل كثيرًا و قد يصبر على تأخر مستحقاته و على صعوبة الظروف و على ضغوط العمل. لكنه عندما يصل إلى مرحلة يصبح فيها عاجزًا عن توفير قوت أسرته فإن القضية لم تعد قضية راتب .. إنها قضية كرامة.
و حين تصبح كرامة العامل مهددة فإن إنقاذه يصبح جزءًا من إنقاذ المؤسسة نفسها.

فالمؤسسات لا تقوم على المباني و المطارات و المكاتب فقط. المؤسسات تقوم على الإنسان الذي يشغلها و يحرسها و يعمل فيها و يواصل أداء واجبه حتى في أصعب الظروف.

لذلك فإن الرسالة ليست صرخة عامل واحد فحسب .. إنها رسالة تستحق أن تصل إلى أعلى مستوى من المسؤولية .

ختاما أقول:
أنقذوا العامل قبل أن نضطر غدًا إلى السؤال : من سينقذ المؤسسة؟

طيران بلدنا




تحرير سودافاكس

فريق التحرير في شبكة سودافاكس الإخبارية، المنصة الإعلامية الرقمية السودانية المستقلة التي تأسست عام 2012.يضطلع فريق التحرير بمتابعة الأحداث الجارية وتوثيقها لحظةً بلحظة، ويشمل ذلك الأخبار العاجلة والتقارير الإخبارية والبيانات الرسمية والمستجدات الميدانية في السودان والمنطقة العربية. يعمل الفريق وفق معايير الصحافة المهنية القائمة على الدقة في النقل والتحقق من المصادر، تحت إشراف رئيس التحرير حسن بشير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.