شهد الوضع العملياتي في السودان أمس الأحد تصعيداً عسكرياً واسعاً على جبهات النيل الأزرق وكردفان والحدود الغربية، إذ أعلن الجيش إسقاط مسيرة استراتيجية مُعادية في منطقة الكرمك المتاخمة للحدود الإثيوبية، بالتزامن مع غارات جوية مكثفة استهدفت تجمعات لقوات “الدعم السريع” في كردفان والمناطق الحدودية.
وبحسب بيان صادر عن الجيش، فإن دفاعاته الجوية تمكنت من إسقاط مسيرة استراتيجية قادمة من الأراضي الإثيوبية، أثناء تحليقها في سماء مدينة الكرمك إقليم النيل الأزرق، وذلك في ثاني حادثة من نوعها يسجلها الجيش في المنطقة.
إسماعيل محمد علي يكتب.. الجيش السوداني يؤمن الحدود مع ليبيا وتشاد وإثيوبيا بضربات استباقية
إسماعيل محمد علي يكتب: مواجهات وحشود بالنيل الأزرق والجيش يحبط هجوما غرب الأبيض
وسبق أن اتهمت السلطات السودانية إثيوبيا بالتورط في تغذية الصراع، عبر السماح باستخدام مهابط داخل الأراضي الإثيوبية لإطلاق طائرات مسيرة تستهدف مواقع عسكرية وخدمية داخل السودان، لكن أديس أبابا نفت هذه الاتهامات.
وكانت قوات “الدعم السريع” أعلنت خلال منتصف أغسطس (آب) الجاري، سيطرتها على أجزاء من مدينتي الكرمك وقيسان داخل النيل الأزرق، حيث يشهد هذا إقليم معارك عنيفة وغارات جوية مكثفة بين الجيش وقوات “الدعم السريع” مدعومة بحليفتها الحركة الشعبية شمال بقيادة عبد العزيز الحلو، منذ يوليو (تموز) الماضي، ويتبادل الطرفان السيطرة على مناطق مختلفة فيه بشكل متكرر.
وتسببت المعارك المستمرة في هذا الإقليم في أزمة إنسانية وصحية بالغة التعقيد، وأدت إلى نزوح أكثر من 100 ألف شخص من مناطق مختلفة في الإقليم منذ بداية العام الجاري، وفقاً للأمم المتحدة.
غارات مكثفة
استمرت حال التوتر الميداني والعمليات الاستطلاعية المكثفة في محاور القتال بولاية شمال كردفان، بالتزامن مع الغارات الجوية المستمرة التي ينفذها سلاح الجو التابع للجيش لتعقب وتدمير أي تحركات أو حشود لقوات “الدعم السريع” في الولاية.
ووفقاً لمصادر عسكرية مقربة من الجيش، فإن مسيرات الجيش شنت أمس الأحد غارات جوية مكثفة استهدفت مواقع عسكرية لقوات “الدعم السريع” غرب مدينة بارا في شمال كردفان، بغرض إضعاف قدراتها تمهيداً لشن هجوم بري لاستعادة السيطرة على ما تبقى من مناطق في الولاية.
ويكتسب محور بارا أهمية استراتيجية وعسكرية بالغة؛ لكونه يمثل عقدة ربط رئيسة على طريق الصادرات الحيوي، وبوابة متقدمة لحماية وتأمين مدينة الأُبيض عاصمة ولاية شمال كردفان، ونقطة تحكم في خطوط الإمداد والعمليات العسكرية بين وسط وغرب البلاد. ويحد تأمين هذا المحور من تدفق التعزيزات العسكرية ومستودعات الذخيرة والعربات القتالية القادمة من إقليم دارفور.
وكانت بارا قبل أن يستعيدها الجيش أخيراً تمثل قاعدة تمركز رئيسة لقوات “الدعم السريع” ومنصة انطلاق للهجمات والتهديدات العسكرية ضد مدينة الأبيض.
انتهاكات صارخة
في الأثناء، شكا مواطنو مدينة ود بندة بولاية غرب كردفان، من اقتحامات قوات “الدعم السريع” المتكررة لمراكز أجهزة الإنترنت الفضائي المعروفة بـ “ستارلينك”، وتفتيش الهواتف والرسائل الخاصة بهم.
وبحسب ناشطين محليين، فإن “الدعم السريع” تقوم بصورة دورية باقتحام مقاهي الإنترنت وتفتيش الرسائل الخاصة بين المواطنين وذويهم خارج مدينة ود بندة، مما يعد انتهاكاً صارخاً على الخصوصيات بين النساء وأزواجهن وذويهن، والاستماع إلى الرسائل الصوتية.
وبين هؤلاء الناشطون أن هذه الانتهاكات والممارسات المشينة جعلت كثيرين يقاطعون الذهاب إلى مقاهي الإنترنت حفاظاً على خصوصية مراسلاتهم وعدم تعرضهم للتعدي وانتهاك الخصوصية.
ويعتمد المواطنون في المدينة على الإنترنت الفضائي للتواصل مع ذويهم في ظل انعدام خدمات الاتصالات البديلة، بجانب اعتمادهم عليه في توفير حاجاتهم، إلى جانب التحويلات البنكية.
وتأتي الخطوة في ظل القبضة الأمنية التي تشهدها المدينة في أعقاب رفض قيام الأنشطة الاجتماعية والتكاتف بين المواطنين، وسط صعوبات تواجه الأسر في توفير الحاجات الأساسية.
تدمير قافلة عسكرية
في سياق متصل، تمكن الجيش وحلفاؤه من القوات المشتركة التابعة للحركات المسلحة والمقاومة الشعبية من تدمير قافلة عسكرية كاملة لقوات “الدعم السريع” في محور الصحراء المتاخم للحدود مع ليبيا ومصر.
وقال المتحدث باسم القوات المشتركة متوكل علي وكيل في بيان إن العملية أسفرت عن تدمير 49 مركبة قتالية والاستيلاء على 30 سيارة بحال جيدة، إضافة إلى شاحنة وقود، وأسر 70 عنصراً يتبعون لقوات “الدعم السريع”.
وأكد البيان الاستيلاء على عدد كبير من بطاريات تشغيل الطائرات المسيرة، وإلحاق خسائر فادحة بصفوف الجماعة، معلنة في الوقت نفسه مقتل أربعة عناصر من القوات المشتركة.
وتابع البيان “تؤكد قواتنا في محور الصحراء أن هذه الانتصارات ثمرة لصمود وبسالة الأبطال في الميدان، وأنها ماضية في أداء واجبها الوطني بكل ثبات وعزيمة”.
ويسعى الجيش وحلفاؤه إلى قطع طرق الإمداد القادمة من ليبيا، حيث تستغل “الدعم السريع” ضعف الرقابة في المنطقة الصحراوية النائية لتهريب السلاح والوقود من ليبيا إلى دارفور. وبحسب الأمم المتحدة، فإن جماعات في ليبيا تقدم المساعدات العسكرية والمعدات الحربية وتمرر المقاتلين المرتزقة لقوات الجماعة.
واندلعت هذه المعارك بعد شهر من إرسال الجيش تعزيزات عسكرية ضخمة إلى مناطق صحراوية في الولاية الشمالية، متاخمة لإقليم دارفور، منها الخناق والراهب. وكان الجيش شن هجمات على قافلة عسكرية للدعم السريع في المنطقة نفسها خلال يوليو (تموز) الماضي، معلناً تكبيدها خسائر فادحة.
اتهامات تشادية
في الموازاة، أعلن الجيش التشادي أن طائرات مسيرة استهدفت رتلاً من المركبات داخل أراضي بلاده على مسافة تزيد على 100 كيلومتر من الحدود السودانية، واعتبر الحادثة بأنها انتهاك جديد مرتبط بأطراف الصراع في السودان.
وذكر الجيش التشادي، في بيان أمس الأحد، أن “المسيرات التي نفذت الهجوم الخميس الماضي يُعتقد أنها تعود للقوات المسلحة السودانية أو الجهات المساندة لها”.
وأوضح البيان أن “الجيش التشادي وضع جميع وحداته في حال تأهب قصوى تحسبًا لأي تطورات”، مؤكداً احتفاظه بحق الرد للدفاع عن السيادة الوطنية والتصدي لأي تهديد.
وحذر البيان الأطراف المنخرطة في الحرب السودانية من نقل المواجهات أو توسيع نطاق العمليات إلى داخل الأراضي التشادية، مشدداً على التزام الجيش بحماية الحدود والأمن القومي.
واتهمت الخرطوم في وقت سابق تشاد بدعم قوات “الدعم السريع” عبر أراضيها، وهو ما نفته أنجامينا. ووجهت الأخيرة اتهامات مماثلة للجيش السوداني باختراق أجوائها، فضلاً عن إعلانها مراراً التزامها الحياد في الصراع السوداني، في وقت استقبلت فيه أكثر من 700 ألف لاجئ سوداني، وحذرت من تداعيات الحرب على أمنها الداخلي.
ويبلغ طول الحدود المشتركة بين السودان وتشاد نحو 1400 كيلومتر وتشهد نشاطاً مكثفاً لتهريب الأسلحة والوقود وحركة اللاجئين منذ اندلاع الحرب في السودان خلال أبريل (نيسان) 2023.
رفض الحوار
سياسياً، رفضت قوى إعلان المبادئ وأحزاب سودانية مبادرة الحوار التي أطلقها قائد الجيش عبد الفتاح البرهان في الـ14 من أغسطس الجاري، معلنة عدم قبولها للمبادرة أو الاعتراف بنتائجها، وذلك خلال اجتماع عقدته في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا.
وقالت هذه القوى في بيان مشترك، إن “ما يروج له اليوم تحت مسمى الحوار ليس، من حيث الجوهر والمنهج، عملية للسلام بالمعنى المتعارف عليه سودانياً أو دولياً في عمليات إنهاء الحروب”.
وأوضح البيان أن عمليات السلام تقوم على وقف عدائيات لأغراض إنسانية وترتيبات أمنية وسياسية انتقالية، إضافة إلى وقف دائم ومستدام لإطلاق النار، ضمن مسار يعرف بالتفاوض ويقوم على الندية، تُشرف عليه وتضمنه مظلة مستقلة ومتفق عليها.
