عبد الله علي إبراهيم يكتب: الجذرية الوطنية في ما بعد الحرب العالمية الثانية: الجمهوريون والشيوعيون

الجذرية الوطنية في ما بعد الحرب العالمية الثانية: الجمهوريون والشيوعيون
من اجتماعين في حديقة المقرن خرج الحزب الجمهوري والشيوعي: الجذرية الوطنية بعد الحرب العالمية الثانية
عبد الله علي إبراهيم (1-2)
حديقة المقرن للماركسية هذه المرة
وكانت حديقة المقرن هي نفسها التي انعقد فيها الاجتماع التأسيسي للحلقة الماركسية الأولي في أغسطس ١٩٤٦ باسم الحركة السودانية للتحرر الوطني (حستو). ومن حسن الطالع أن محمد نوري الأمين وفر لنا محضراً لذلك الاجتماع على لسان من شهده وهو عبد الرحيم كدودة.
تحولت إلى أرض قاحلة.. حرب السودان دمرت إحدى أقدم حدائق أفريقيا
وكدودة من بلدة عبري بأرض المحس. قصد مصر للدراسة في الأزهر وصار فيها اشتراكياً منتمياً لجماعة الخبز والحرية. وهي خلاف الحركة الديمقراطية الوطنية (حديدتو) التي انتمي لها كثير من الطلاب السودانيين وفيهم عبد الخالق محجوب سكرتير الحزب الشيوعي من ١٩٤٩ إلى ١٩٧١. وفصله الأزهر لنشاطه الساسي. فعاد للسودان بأمر الأمن السياسي المصري. ولبى الدعوة للانضمام إلى حستو بينما لم يزل بين أهله في بلدة عبري بالشمالية. قال:
فشلت مساعي عودتي لمصر لمواصلة تعليمي. فقررت بذل كل طاقتي لنشر الاشتراكية بين أهلي في عبري عن طريق لجنة مؤتمر الخريجين الفرعية التي ترأسها أبوه. وزارني، وأنا ما أزال بعبري في ١٩٤٥، قريبي عبد الرحيم أحمد مبعوثاً من عبد الوهاب زين العابدين، مؤسس حستو وسكرتيرها التنظيمي، لإقناعي بالقدوم للخرطوم لأشارك في تكوين منظمة شيوعية. وكنت أعرف عبد الوهاب منذ أيامي في مصر. وقدمت للخرطوم بنهاية ١٩٤٥ والتقيت بعبد الوهاب وآخرين.
تحادثنا طويلاً حول الاشتراكية وضرورة قيام منظمة اشتراكية. وانعقد اجتماعنا للغرض في حديقة المقرن وحضره أحمد زين العابدين، وحسن محمد الأمين، وعبد الماجد أبو حسبو، وهربرت ستوري من صف ضباط الجيش الإنجليزي المحتل. ولما كان ستوري بصدد مغادرة السودان فقد كان حريصاً أن يلتقي بأكبر عدد من الاشتراكيين السودانيين ليطمئن على قيام الحزب الاشتراكي قبل سفره. وانزعجت لوجود بريطاني بيننا.
ولم اتمالك من القول للمجتمعين إن الاشتراكية ضد الإمبراطورية البريطانية فكيف لبريطاني مثله مساعدتنا في القضاء على إمبراطورتيه. وترجموا له كلمتي بناء على رغبته فضحك. وقال إني على حق أن أنزعج لوجوده بيننا. فقد مر به نفس الموقف مع اشتراكيين هنود وجدوا حرجاً من وجود بريطاني بينهم يزعم مساعدتهم في بناء الاشتراكية. ولم يجدوا سبيلاً للتصالح مع ذلك الحرج.
ومضى قائلاً إن الاضطهاد واقع على الجماهير في كل مكان وكذلك الاستغلال. وعليه وجب علينا إنشاء حلقة سرية ثورية متلائمة مع ظروف السودان يجتمع فيها كل الثوريين السودانيين. واتفق معه عبد الوهاب في الرأي أنه حان الأوان علينا كثوريين لتنظيم حركة ثورية بصورة غاية في الفدائية والسداد. وتحمس بعض من في الاجماع مما قيل وطالبوا أن يقوموا لوهلتهم بطبع المنشورات وتوزيعها.
وكانت أهم قرارات الاجتماع كما يلي:
١-وجوب تقوية الحزب (الذي انوجد منذ بداية ١٩٤٥).
٢-الإصرار أن يتكون الحزب من عناصر نقية يكون الانتماء إليه خاضعاً لشروط معينة. وأن تكون اهتمامات وعلم وعزائم المجندين لهم رصيداً للحركة. كما عليهم مراعاة الحذر وغاية السرية لتأمين الحزب، وأن يكون للعضو صلاحية الترويج لفكرة الحزب وبناء الحزب طالما لم ينحرف عن خطه.
٣-وأن يهدف الحزب ل:
أ-تحرير الجماهير وعونها للاطلاع على الفكر الحديث بما يتفق مع إملاءات القضية الوطنية و
ب-التركيز مبدئياً على الاستعمار والتحرر الوطني بأبعادهما الثقافية والاقتصادية والسياسية .
ومن عجائب الصدف أن عبد الخالق محجوب ربما لم يكن بعيداً من المقرن على الضفة الأخرى من النهر على جهة مجلس الشعب الحالي بأم درمان نحو خواتيم ١٩٤٥ حين كان الاجتماع، الذي سيتمخض عنه الحزب الذي سيصبح سكرتيره العام في ١٩٤٩، منعقداً على الضفة الأخرى في حديقة المقرن بالخرطوم.
كان عبد الخالق صبياً لم يكمل الثانوية بعد. وكان يأتى ضمن جماعة من أصدقائه مرات إلى المقرن للأنس تفريجاً وفرجة وجدلاً حول مسائل أدبية. وربما تصادف أن كان هو بالضفة الأخرى من النهر بين صحبه الأماجد بينما اجتمع لفيف من الشيوعيين الأوائل وبينهم خواجة إنجليزي على الضفة الأخرى يعدون العدة لحرب الاستعمار وتحقيق الاشتراكية عن طريق حزبهم الجديد: الحركة السودانية للتحرر الوطني (حستو، بذرة الحزب الشيوعي الأولى). ولم تنقض أربع سنوات من تلك المناظرة السهلة الممتنعة بين الضفتين حتى أصبح الفتى الذي على ضفة النيل اليسرى زعيماً لحزب ضفة النيل اليمني. وهو الحزب الذي نشأ وعبد الخالق غافل عنه ولاه مع الصحاب.
حكى عن عبد الخالق صديق عمره الدكتور عبد الغفار عبد الرحيم. وذكر خطراتهم وهم في ميعة الصبا طلاباً بالثانوية يكتشفون عوالم الثقافة والسياسة التي تفتحت أمامهم. فقال:
لم يكن عبد الخالق مشغولاً بالسياسة بل كان أقرب إلى التدين الصوفي. كانت على عهد الثانوية عضواً في شلة قراءة ومفاكرة تكونت من عبد الغفار عبد الرحيم (طبيب لاحقاً) والسنوسي (سفير لاحقاً) وعبد الله قمر الأنبياء وأحمد (لم يذكر الراوي بقية اسمه) يجتمعون بعد صلاة المغرب ويسيرون من حيهم حي السيد المكي بأم درمان إلى شاطيء النيل. فيتداولون في ما استجد من كتابات في مجلتي “الرسالة” و”الرواية” المصريتين مما يجدونه في مكتبة الثقافة لعمهم حسن بدري. وكان بدري يشجعهم على الاطلاع بل كان يسلفهم المجلات يقرأونها ويعيدونها متى لم يكن بيدهم ثمنها. وكانوا في مرات أخرى يمضون سيراً على الأقدام ليعقدوا حلقات مسامرتهم هذه في مقرن النيلين البعيد عن حيهم .
(وفي المعني تجد في المقال كاملاً أن الجنيد علي عمر كان عضوا بالحزب الجمهوري ثم تحول للحزب الشيوعي كما هو معلوم. ونص المقال الباقي في “عبد الله علي إبراهيم والجذرية الوطنية” على النت)
